مازن بلال مسألة التحول نحو "الحرب الإعلامية" على الإرهاب على حد تعبير رامسفيلد تضع الشرق الأوسط أمام سؤال أساسي حول ماهية الحرب الماضية، لأنه طرح هذا الأمر وسط أزمة ما أثاره نشر وسائل الإعلام لـ"الصور المسيئة" لتصبح وسائل الاتصال أمام صورة جديدة لانقسام العالم على أساس من التفكير الديني.

لكن "الحرب الإعلامية" بذاتها لم تكن بعيدة عن مجمل الحدث الذي عاصرناه منذ اللحظات الأولى لانهيار برجي التجارة العالميين، فمن جانب الرئيس الأمريكي ظهرت مصطلحات "الحرب الصليبية" وعلى جانب "القاعدة" كان هناك تعبير "غزوة البرجين". ولا شك أن الرئيس الأمريكي استخدم حضوره الإعلامي في تأسيس خطاب جديد على الصعيد العالمي، مروجا لسياسة "تبشيرية" تبدأ من الحديث عن "الإلهام الرباني" الذي يفاجئه في لحظات القرار، وصولا إلى إعطاء "الديمقراطية" شكلا رسوليا تقوم به الولايات المتحدة في العالم .. فهل هذا الأمر بعيد عن الحرب الإعلامية؟!

لكن على ما يبدو أن ما يريده رامسفيلد أكبر من مهام التعامل مع العالم على أساس "الافتراق الثقافي"، الذي ينتج التعصب بشكل متصاعد وصولا إلى مرحلة النتائج التي نراه اليوم عبر "الرسوم المسيئة". فإذا كانت الحرب الإعلامية على سياق ما شهدناه من "حروب استباقية"، أو على نفس الفلسفة التي سارت عليها فإن المقصود على ما يبدو هو وحدانية الصوت، على سياق "وحدانية" الرؤية التي سارت عليها المعارك منذ أفغانستان وصولا إلى المعركة اليوم ضد "حماس" وموقعها من السلطة الفلسطينية، رغم أن ما حدث هو "نتيجة" ديمقراطية.

وليس المقصود من وحدانية الصوت كتم أنفاس "الإعلام الآخر"، بل تصويره على انه "الآخر" غير المفهوم أو الذي يسير على سياق من الشر والظلام. وأن هذا الإعلام الآخر مرهون بجغرافية محددة ولا يجوز ان يقرأ في الغرب على انه منتج ثقافي قابل للحوار والفهم. وربما بدأنا نعيش هذه المرحلة عبر الحملة التي ظهرت في مسألة "الصور المسيئة"، حيث عايشنا حالة من "اللغة" المفقودة بين طرفين ثقافيين تختلط عناصرهم داخل نفس الجغرافية في أوروبا على الأقل.

"الحرب الإعلامية" التي يريدها رامسفيلد تملك أرضيتها الناشئة حديثا، فدعوته تأتي متزامنة مع صور جديدة لأبو غريب، ولعمليات الاعتداء السافر من الجنود البريطانيين على شباب في بصرة. والأمر يبدو أخطر من قضية مشروع للحد من نفاذ أشرطة أيمن الظواهري إلى المحطات الفضائية، أو حتى ظهور نتائج ديمقراطية لا تتفق مع السياق الأمريكي، لأن مثل هذه الحرب ستكرس عملية التجاذب الثقافي بين جانبي "التطرف"، وتكوين ذاكرة جديدة تسعى لتصفية كل المحاولات التي تسعى للتعامل مع الثقافات على أساس التفاعل والحوار ... إنه عودة حقيقية للسنوات الأولى من ظهور الحداثة، عندما أصبحت أدواتها تفوقا صارخا قضى على حضارات الشعوب واستهلك العالم بحربين عالميتين، إضافة لتخريبه لبيئة الأرض التي تضمنا جميعا سواء كنا في "محور الشر" أو "الخير" حسب تعبير الخطب الرسولية للرئيس بوش.