الخبر الذي زفته مشكورة وكالة سانا عن إقرار مجلس الشعب قانون إحداث هيئة عامة للكتاب, تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري وترتبط بوزير الثقافة؛ يمثل بلا شك بشرى سارة, لما يحمله من دلالة على أن الثقافة لم تسقط لا سهواً ولا قصداً من دائرة اهتمام حكومتنا, ولم تُترك نهباً لاقتصاد السوق الاجتماعي, لذا تستحق حكومتنا الشكر الجزيل, أخيراً تمخضت جهودها عن قانون له علاقة بالثقافة والكتاب, وكنا نتمنى لو تضمن الخبر تفاصيل أكثر, لنعرف ما هي طبيعة المهام التي ستناط بهذه الهيئة وكيف ستقوم بها, وياليت مشروع قانون إحداث الهيئة نال جزءاً من الاهتمام الإعلامي واللغط النخبوي الذي حظي به مشروع قانون الأحزاب, أو على الأقل تم طرحه في الجرائد قبل إقراره, ليتمكن المعنيون بصناعة الكتاب, من ناشرين وكتاب وقراء من المشاركة في رسم ملامح مؤسسة ثقافية نحن بأمس الحاجة إليها: أولاً, حامية للثقافة ومحمية للإبداع والمبدعين, وكي لا يكون مستقبلها كباقي المؤسسات الثقافية المحنطة, أو مثل اتحاد الكتاب الذي تحول من سند داعم للكاتب الى رقيب مراقب وحسيب حيسوب. وثانياً, حتى لا يأتي القانون مبعوجاً ولا مطعوجاً, كقانون المطبوعات الذي صدر العام 2001 بنسخة مجعلكة وقاصرة عن قانون عام 1949 , لتغدو مسألة تعديله معضلة لم ينفع في حلها خمس سنوات من النق المتواصل, اللهم سوى الحصول على وعد بصدور نسخة جامعة مانعة في القريب العاجل, وطبعاً في حساباتنا السورية لا يمكن التكهن بالمدة الزمنية لـ «القريب العاجل» إذا ما كان في يوم في شهر في سنة­ رحم الله عبد الحليم حافظ ­وجرحه الذي يشبه جرحنا, بعمره الأطول من الأيام.

بعد صدور القانون, ليس بوسعنا إلا أن نبارك هذه الخطوة ونشد على يد وزير الثقافة الجديد رياض نعسان آغا في إشارته خلال مناقشة القانون الى «أهمية لحظ الكتاب الالكتروني وضرورة مشاركة رجال الفكر في رسم وتطوير خطة الهيئة». مع تمنياتنا أن يوفق الوزير الجديد في حقن شرايين وزارته العجوز بجرعة منشطات شبابية, تزيل عن ملامحها بعضاً من تجهم المتاحف البارد. كما نأمل أن يتم استغلال إنشاء هيئة للكتاب, للمطالبة بإلغاء الرقابات المتعددة على الكتاب, ما بين وزارة الإعلام واتحاد الكتاب والقيادة القطرية, لأن بقاءها لم يعد له أي فعالية مع اتساع حركة النشر الالكتروني, سوى سوء السمعة بتقييد حرية الفكر؛ لتلغى الرقابة وليُفَّعل القانون وليتحمل كل صاحب كلمة وناشر مسؤولياته كاملة أمام المجتمع والقضاء, بدل فوضى الاجتهاد في القمع والترهيب, أو إجراءات اللفلفة والتسويات المذعورة, فإذا كان لا بد من معارك في ميدان الفكر, لتكن حقيقية لا محض فرقعات ترويجية لتنشيط سوق الكتاب في زمن عزت فيه الثقافة وساد التثاقف. وهذا يقودنا إلى الوضع المتردي للكتاب في مجتمعنا, مما بات يتطلب وبإلحاح إدراج إعادة الاعتبار للثقافة في صلب برنامج الإصلاح, وليس على الهامش, لأهمية الثقافة في بناء الفرد الذي عليه يتوقف نجاح الإصلاح أو فشله كحركة مجتمعية, إذ لا بد من خطة وطنية تعيد للكتاب مكانته كمصدر رئيسي للثقافة والمعرفة, خطة تتضمن حملة طويلة الأمد, تنفض الغبار عن المكتبات المدرسية, التي تحولت الى غرف لاستراحة المعلمين, فما المانع من تخصيص ميزانية لرفدها بإصدارات نوعية جديدة, أو على الأقل يوزع عليها أكداس المطبوعات في مستودعات اتحاد الكتاب ووزارتي الإعلام والثقافة, بدل أن تأكلها الفئران والرطوبة!!

إذا استحال ذلك بحجة ما يتطلبه من معاملات وتواقيع, وموظف يعرقل وآخر يتأفف, ألا يستحق مواطننا السوري الناشئ بعضاً من العناية بحاجته العليا, من خلال تخصيص حصة دراسية للثقافة نقصد الثقافة العامة لا الوطنية ولا القومية المعهودة, بل حصة يناقش خلالها قصة أو رواية أو دراسة أو حدثاً راهناً, خارج المناهج الدراسية, بمثابة رياضة فكرية تنشط الذهن وتفتح آفاقه على البحث والتأمل, أسوة بالأنشطة الأخرى كالرياضة البدنية والموسيقى والرسم, على أن لا يكون مصيرها مشابهاً فتصبح حصص فراغ يتخاطفها مدرسون من اختصاصات أخرى.

ترى هل يدرك المعنيون بشأن الثقافة والتربية والتعليم أنه من جيل إلى آخر تزداد هوة القطيعة مع لغة الثقافة, وأننا في الطريق لنغدو أمة بلا ذاكرة. ألا ينطوي هذا الأمر على خطورة بالغة, وتحد حضاري أحد مؤشراته تنامي منتديات الانترنت الشبابية التي تعتمد اللهجة المحكية لغة مكتوبة فيها, ومنها من يشترط الكتابة بالعامية, لأن اللغة الفصحى ليست مفهومة, ولا مهضومة!! نرجو أن يدرك المعنيون خطورة هذا التحدي, طالما أنهم يفكرون بالكتاب, الزمن لن يمهلنا كثيراً, ليأتي يوم تعلن فيه الأجيال الناشئة التبرؤ من كل ما له علاقة بالمكونات الحضارية لهذه الأمة. بل أن الإرهاصات بدأت حين لم تعد تسعفنا معرفتنا الضحلة بتاريخنا, بما يمنعنا من تكرار تجارب الماضي المؤلمة على هذا النحو المشين من القطيعة وتبديد جهود آباء التحرر والنهوض والاستقلال.