د. ثائر دوري

(( هرمز مدينة على ساحل البحر و تسمى موغ ستان و تقابلها في البحر هرمز الجديدة .........و مدينتها تسمى جرون ، و هي مدينة حسنة كبيرة ، لها أسواق حافلة ، و هي مرسى الهند و السند ، و منها تحمل سلع الهند إلى العراقيين و فارس و خراسان ))

مرسى الهند و السند ، و منها تحمل سلع الهند إلى العراقيين و فارس و خراسان . هذا ما ذكره ابن بطوطة في القرن الثالث عشر الهجري في رحلته الشهيرة . و لو كان ابن بطوطة يعيش اليوم لأضاف،أن مضيق هرمز هو شريان العالم الطاقي منذ منتصف القرن العشرين و سيستمر كذلك حتى نهاية عصر البترول . فعبره تمر حاملات البترول العملاقة فارغة متوجهة إلى الموانيء السعودية، في الدمام و القطيف و الظهران ، و الكويتية ، و القطرية ، و الإماراتية ، و العراقية في البصرة و أم قصر ، و الإيرانية في عبادان و المرافيء الأخرى ، ثم تعود محملة بالبترول لتتوجه إما إلى شرق آسيا و الهند أو إلى الولايات المتحدة و أوربا و بقية دول العالم . لذلك علينا أن نتوقع أن أي حادث يؤدي إلى إغلاق مضيق هرمز سيدخل شرق العالم و غربه في أزمة طاقة رهيبة كافية لتعطيل كل أوجه الحياة في العالم المعاصر . و من هنا علينا أن نفهم أن من يسيطر على مضيق هرمز هو كمن يضع سكينا على الشريان السباتي لرقبة شخص و يهدده بقطعه كل لحظة إن لم يرضخ لطلباته . لكن من يسيطر على مضيق هرمز ؟

قبل أن نجيب عن السؤال السابق نقول إن الذي دعانا للكتابة عن مضيق هرمز هو التحقيق المثير الذي أجراه موقع دورية العراق عن مصير طرادات و بوارج بحرية اشتراها العرق في الثمانينات و بقيت محتجزة بالموانيء الإيطالية و المصرية حتى اليوم و بعضها صار مجهول المصير . و الطريقة التي اتبعها الموقع بتعقب مصير القطع البحرية العسكرية العراقية ، اجنادين . البحر العربي . موسى بن نصير . طارق بن زياد ! مبتكرة و تقوم على الطلب من القراء ممن يعرف معلومة عن مصيرها أن يذكرها . و على الفور ساهم عدد كبير من القراء بذلك إما بذكر معلومات يعرفونها بشكل شخصي بحكم عملهم ، أو عبر الإحالة إلى الصحف العالمية مثل الغارديان و غيرها . فتوضحت الصورة خلال عدة أيام .

تفاصيل القصة محزنة فقد احتجزت بعض هذه السفن في ميناء مدينة لاسبيزيا الواقعة في شمال غرب ايطاليا على رأس خليج لا سبيزيا ، وهي إحدى أهم الموانيء العسكرية والتجارية في ايطاليا وفيها أيضا اكبر الصناعات العسكرية . وتعتبر مدينة حديثة حيث تعود اغلب مبانيها الى 1920. كما أن هذا الميناء ،ميناء لاسبيزا مركزاً للناتو وهو متخصص في صناعات واختبارات الأسلحة البالستية تحت الماء وهو أيضا مركز اختبارات لمروحيات AH-101 التي تصنعها بريطانيا وايطاليا. وهناك جيل جديد من غواصات الناتو تبنى هناك .حسب ما جاء في التحقيق ، الذي يتابع تعقب مصير الطرادات و السفن العراقية . فنقراً

(( الطرادتان العراقيتان :

كانت الطرادتان (طارق بن زياد وموسى بن نصير) جزءا من طلبية تعاقد عليها العراق مع فنكانتيري شركة صناعة السفن الحكومية في 1980. كانت الطلبية تساوي 960 مليون دولار وتشمل طرادتين من طراز ازميرالدا و أربع طرادات من طراز وادي ، محملة بالمروحيات والصواريخ وقاذفات الصواريخ و الطوربيدات المضادة للغواصات. أربع فرقاطات طراز لوبو مسلحة بصواريخ قصيرة المدى وسفينة مؤونة. ولكن بسبب الحرب ( العراقية – الإيرانية ) ثم الحصار جاءت الرياح بما لا تشتهي السفن! ))

و يتابع التحقيق : (( يبلغ وزن الطرادة 680 طن بطول 70 متر مزودة بالصواريخ والمدافع . وقد دفع العراق التكاليف عام 1986 يقول جيم ماكوي وهو محلل بحري في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن :" كان يمكن لهذه الطلبية ان تغير نوعية وقدرات الاسطول العراقي. " ))

يعج موقع الدورية بتفاصيل كثيرة عن هذا الموضوع ، من إحالات إلى الغارديان البريطانية و إلى صحف اسبانية و ايطالية ، و بعض الصور لسفن عراقية سرقتها البحرية الإيطالية و تستعملها تحت أسماء أخرى ، و عن تفاصيل معيشة البحارة على السفن التي احتجزت في ايطاليا ، و الحصار المدمر الذي مورس عليهم بعد حجزهم في الميناء الإيطالي المذكور طوال فترة الحصار . فلم يسمح لهم بصيانة الطرادات و لا حتى بتدوير المحركات . و كل ذلك تفاصيل مهمة يجب أن يسجلها التاريخ ليظهر أي حصار وحشي تعرض له العراق . لكن ما لفت نظري أن أحد المساهمين الأساسين في الموضع و اسمه فاروق التقط المغزى الأساسي العميق للحدث فقد كتب في ختام الموضوع يقول :

(( السبب الرئيسي لعدم تسليم السفن لم تكن الحرب العراقية الايرانية . لأن ايطاليا كانت تبيع أسلحة لإيران عبر شركة OTO MILARA . بل لأن خطة العراق كانت استخدام هذه السفن في منطقة مضيق هرمز وعلى أساس ذلك تم توقيع اتفاقيه مع اليمن لإنشاء قاعدة بحريه هناك وتم إرسال أكثر من 130 طلاب يمنيين للتدريب في الاكاديميه البحريه في البصره مابين سنه 1983 – 1984 .هذا الذي كان يرعب الغرب (( لقد أصاب فاروق . فما ذكره هو الأمر الجوهري في قصة القطع البحرية العراقية المسروقة أو المحاصرة . فالهدف من كل ذلك هو منع استخدامها في مضيق هرمز . لذلك نعود إلى السؤال الذي أجلنا الإجابة عليه :

من يسيطر على مضيق هرمز ؟ إذا كان المسيطر هو من يملك الأرض اسمياً فإن سلطنة عمان هي المسيطر الأكبر، لأن الجانب الجنوبي الممتد على شكل رأس في الخليج العربي هو جزء من أراضيها و على الجانب الشمالي هناك إيران . هذا نظريا. لكن الحقيقة تقول و هي أن الولايات المتحدة هي المسيطرة بشكل تام على حركة العبور دخولاً و خروجا من المضيق . فالقواعد العسكرية منتشرة على كامل شاطئه الجنوبي من عمان إلى الكويت مروراً بقطر و البحرين و الظهران و الخبر السعوديتين، و الآن في البصرة العراقية المحتلة . كما أن سفن الأسطول الخامس الأمريكي تجوب مياه الخليج العربي بشكل دائم . إن أمريكا تتحكم بالخليج العربي و بمضيقه ، و هو الأهم استراتيجياً في العالم ، كما ذكرنا . لأنه شريان الطاقة للعالم أجمع .فالسيادة على شطئان الخليج العربي و على مياهه و على مضيق هرمز هي سيادة أمريكية كاملة . إما بالحضور العسكري المباشر بالقواعد العسكرية ، أو عبر التسهيلات العسكرية و الاتفاقيات الثنائية . لكن السيطرة الأمريكية و بالأحرى الغربية على مضيق هرمز و بالتالي حصار العرب على شطآنهم و منعهم من ارتياد المحيط الهندي ، الذي لا يمكن ان تنشأ قوة دولية دون أن تثبت حضورها فيه ، ليست وليدة اللحظة الراهنة و لا التاريخ القريب . و هذا يقودنا إلى سؤال آخر متى فقد العرب سيطرتهم على مضيق هرمز ؟ اكتشف البرتغاليون رأس الرجاء الصالح عام 1498 م ثم وصلوا إلى الشواطيء الهندية ، التي كانت في ذلك الوقت إسلامية بعمق عربي ( ليست الشواطيء فقط و إنما كل الهند ) . ثم استولى البرتغاليون على مضيق هرمز بتاريخ قريب من تاريخ نزولهم على الشواطيء الهندية ، و كان هذا الأمر حدثاً تاريخياً مجلجلاً . فهرمز في ذلك الوقت عقدة طرق التجارة الدولية كما ذكر ابن بطوطة . فالبضائع كانت تنقل من الشواطيء الهندية في مراكب التجار العرب لتصل إلى البصرة عبر مضيق هرمز و من هناك إلى حلب ثم عبر الطريق البري إلى أوربا . أو من الهند إلى موانيء البحر الأحمر ، سواكن و عيذاب ، و من هناك عبر الطريق البري إلى قوص جنوب القاهرة ، ثم تنقل عبر النيل إلى القاهرة . و من القاهرة تتفرع خطوط التجارة الدولية إما إلى غرب أفريقيا عبر درب الأربعين الذي يبدأ من أسيوط في صعيد مصر إلى الواحات ، ثم إلى مالي و غانا ، أو إلى الإسكندرية أو دمياط و منها إلى أوربا عبر التجار البنادقة . و هكذا فإن الاحتلال البرتغالي لهرمز ألحق الخراب بمحور البصرة – حلب ، و بتجارة مصر المملوكية ، لا سيما إذا علمنا أن البرتغاليين حاولوا الاستيلاء على عدن لإغلاق مضيق باب المندب لاستكمال الحصار الذي بدأ ضربه حول العرب . بل إنهم أرسلوا حملة بحرية بهدف الاستيلاء على جدة و من هناك إلى بيت المقدس لكن هذه الحملة المتسرعة فشلت .

ردت مصر المملوكية على هذه التهديدات بهجوم معاكس فأرسل قانصوه الغوري سلطان المماليك أسطولاً بحرياً كبيراً إلى الهند ساهم بتمويله تجار البندقية ، لأنالوجود البرتغالي في حوض المحيط الهندي هدد دورهم التجاري التقليدي الذي يعتمد على خطوط التجارة التي تمر بحلب و بالقاهرة . فقد حول البرتغاليون طرق التجارة إلى لشبونة عبر المحيط الأطلسي . كما ساهم العثمانيون بهذا الجهد الحربي لإدراكهم التغيرات الإستراتيجية الخطيرة التي سيخلقها الوجود البرتغالي في حوض المحيط الهندي فيما لو استقروا على السواحل الهندية . أرسل قانصوه الغوري الأسطول بعد تجهيزه بإمرة حسين الكردي لنجدة سلاطين الهند فخرجت هذه التجريدة إلى الهند عام 1505م . و بطريقه قام هذا الأسطول بتحصين ميناءي جدة و عدن لحرمان البرتغاليين من دخول البحر الأحمر . ثم تابع طريقه إلى الهند و هناك هزم البرتغاليون الأسطول المصري فانسحب الأسطول عائداً إلى جدة . و بدأ خط التجارة الدولي بالتحول عن المنطقة العربية لصالح التجارة الأطلسية . كما تحولت هرمز إلى قاعدة برتغالية حصينة عاودوا منها مهاجمة ميناء جدة ثانية عام 1517م فتصدى لهم القائد العثماني سليمان الريس و تبعهم إلى جزيرة قمران فهربت الحملة البرتغالية إلى هرمز الحصينة . عاود العثمانيون الكرة بعد استيلائهم على الشام و مصر فجهزوا حملة كبيرة ليطردوا البرتغاليين من الهند ، هي حملة سليمان باشا والي مصر العثماني ، فقد بنى سليمان باشا في السويس ثمانين سفينة محاربة و زودها بكل ما تحتاج لرحلة طويلة . و قد بلغ قوامها عشرين ألفا من عرب الشام و مصر و بعض البنادقة . لكن الحملة تعرضت للهزيمة على سواحل الهند فاستقر ميزان القوى على الشكل التالي :
- أغلق العثمانيون باب المندب فسيطروا على البحر الأحمر بشكل تام .
- بقي البرتغاليون ممسكين بمضيق هرمز الذي استولوا عليه عام 1507 و بالتالي عطلوا أهم محور للتجارة الدولية في ذلك الوقت و هو محور البصرة – الهند .

و بين العامين 1550 و 1583 حدثت معارك طاحنة ، برية و بحرية ، بين الطرفين البرتغالي و العثماني ، فأرسل العثمانيون أسطولاً من السويس لفتح الطريق إلى البصرة و استطاع هذا الأسطول استعادة عمان من البرتغاليين لكنه لم يستطع استعادة هرمز التي بقيت شوكة في حلق العرب و المسلمين حتى اليوم . فقد دخل الأسطول إلى البصرة فحوصر هناك و باتت عودته إلى السويس مشكلة كبيرة . و على أية حال فهو لم يعد أبداً فأثناء اشتباكه مع البرتغاليين في هرمز قذفت به الرياح إلى شواطيء كجرات في الهند . و بعد العقد الثامن تخلى العثمانيون عن أي نشاط بحري كبير و صاروا أسرى البصرة و سواحل اليمن و البحر الأحمر . و بذلك صار المحيط الهندي ، الذي لا يمكن أن تنشأ قوة دولية دون إثبات وجودها فيه ، تحت سيطرة الغربيين المتعاقبة . فبعد البرتغاليين حل الهولنديون لفترة قصيرة ، ثم الإنكليز ، و بعد ذلك يرث الأمريكيون الأرض و ما عليها.

لقد تحولت الحضارة العربية - الإسلامية منذ ذلك الوقت إلى حضارة محاصرة معزولة ، تراجعت مواردها الاقتصادية و البشرية تدريجياً بسبب وقوع طرق التجارة الدولية تحت سيطرة أعدائها . لا سيما و أن العثمانيين تعرضوا أيضاً لهزيمة بحرية كبيرة في المتوسط أمام الأساطيل الأوربية عام 1571. و منذ ذلك التاريخ و حتى اليوم لم يتغير من هذه المعادلة شيء سوى أن الحصار قد تحول إلى احتلال فقد انهارت القلعة العثمانية المحاصرة على دفعات آخرها بعد نهاية الحرب العالمية الأولى . متى يتغير هذا الوضع ؟

بإجابة مختصرة : عندما تصبح البصرة مطلة على حوض المحيط الهندي . و من هنا يمكن أن نفهم هذا الحقد على البحرية العراقية فهي اقتربت من منطقة يعتبرها العدو خطاً أحمر يهدد سيطرته على العالم . ففي اللحظة التي يستعيد بها العرب سيطرتهم على مضيق هرمز يصبحون قوة دولية . إن المارد العربي محبوس في زجاجة عنقها مضيق هرمز . و عندما يجتاز المارد هرمز فقد خرج من قمقمه .