ثمة سؤال يشغل الكثير من المراقبين للشأن الداخلي السوري، وهو ما حجم وقوة التيارات الدينية في سورية، وهل هناك وجود سياسي منظم لها، وما هي أبرز الأحزاب والتنظيمات الموجودة؟ بكل تأكيد يصعب لأي متابع أن يقدم اجابة دقيقة عن مثل هذه التساؤلات، خصوصا وأن القوانين السورية تمنع الاسلاميين من المشاركة في أي نشاط حزبي وسياسي منذ عام 1981، حين صدر القانون 49 الذي يحكم بالاعدام على كل منتم الى تنظيم «الاخوان المسلمين»، كذلك ثمة تضييق، ومتابعة أمنية مكثفة ومستمرة تمارسها المؤسسات الأمنية على الاسلاميين كلهم, طبعا، يجب ألا ننسى أن غياب مراكز الأحزاب المتخصصة، وغياب الشفافية عند سؤال أي من المعنيين عن هذا الموضوع سواء أكانوا من الاسلاميين أم من جهات مسؤولة داخل النظام، اضافة الى ندرة الأبحاث والدراسات، ان لم تكن معدومة، كل ذلك يجعل من الصعوبة بمكان تحديد حجم حقيقي لهذه القوى. لكن رغم ذلك يجب الانتباه الى أن نسبة كبيرة من السوريين اليوم تملك توجهات دينية، وتعتقد أن «الاسلام» هو الحل لكثير من المشاكل والعقبات التي يواجهونها, في هذا الصدد، لا غرابة أن يبدأ النقاش ضمن دائرة ضيقة عن الفساد في سورية، لينتهي بسرعة عند خلاصات تقول بأن «النظام الاسلامي المطبق بشكل فعال وحقيقي» كفيل بحل هذه الآفة, كذلك هو الحال فيما لو جرى نقاش بشأن الديموقراطية وضرورتها للشعب السوري، عندئذ سينبري أحدهم ليقول ان «الاسلام» حلّ هذه القضية منذ زمن طويل من خلال نظام «الشورى», وعند الحديث عن الخلل في الجهاز القضائي ايضا هناك من هو جاهز دائما للقول بكل ثقة وقناعة أن غياب «الدين» وابتعاد المسلم عن أخلاقيات الاسلام هو السبب في غياب العدالة.

لكن هذا شيء يمكن فهمه اليوم في ظل التنامي الكبير للاتجاهات «السلفية»، ونجاح تيارات «الاسلام السياسي» في الوصول الى الشارع في عموم دول الشرق الأوسط، لكن ما لا يمكن فهمه وتقديره هو مدى استعداد هؤلاء للانخراط في تجربة حزبية وتنظيمية، فعند النقاش في مثل هذه القضية وتوجيه أسئلة محددة، يتهرب الجميع من الاجابة ومنهم من يشعر بالقلق والخشية بسبب توجيه مثل هذه الاسئلة. وأخيراً لعبت الملاحقة الأمنية التي قامت بها الأجهزة الأمنية السورية لمجموعات اسلامية «تكفيرية» مثل «جند الشام» دورا في ازدياد الخشية عند الكثير من هذه الشرائح من الذهاب بعيدا في طموحاتها السياسية، اذ بدا المطلوب منها أن «تتأسلم» كيفما تشاء، لكن الى حدود معينة، ربما هي حدود المسجد في الحي وتحت سقف خطبة خطيب هذا المسجد، أي الاسلام الرسمي الذي تحدد ماهيته وزارة الاوقاف والقائمون عليها، بمعنى من المعاني، اسلام ضد أميركا في العراق، اسلام ضد اسرائيل، اسلام يعيش في الماضي ويحن له، لكن ممنوع على هذا «الاسلام» الاقتراب من القضايا الداخلية، كالفساد والقضاء ونقد السلطة. لكن ومع كل هذا الانتشار الاقليمي لحركات وتنظيمات الاسلام السياسي مثل «حماس» في فلسطين، و«حزب الله» في لبنان، والعديد من الأحزاب في العراق والأردن ومصر وتركيا، يصبح من الصعوبة بمكان على السلطات السورية أن تحدد خيارات وتوجهات الاسلاميين فيها، ومن الصعب عليها رسم حدود لطموحاتهم السياسية.

ان ذلك كله يستدعي العودة للسؤال مجددا عن الحجم المنظم لقوى وأحزاب اسلامية داخل سورية، وما يستدعي السؤال بالحاح ايضا، محاولة بعض قادة تنظيم «الاخوان المسلمين» السوريين في الخارج تصوير المشهد الداخلي، كما لو أنه اسلامي خالص، أو كما لو أن السوريين كلهم معارضون، وكلهم مؤيدون لهم رغم أنهم خارج البلاد، ورغم أنهم ممنوعون من العمل منذ عام 1980، أي منذ نحو ربع قرن. منذ فترة نشر أحد الباحثين السوريين أرقاما تفصيلية عن حقيقة التوزع الطائفي والمذهبي والاثني في سورية، ومن خلالها يتضح أن الطائفة السنية هي أكبر الأقليات في مجتمع متعدد دينيا، كذلك فان هذا الحجم لا يعني بالضرورة أن كل «السنة» لديهم خيارات «اسلامية» وطموحات للعودة الى الماضي والعيش في مآثر وأمجاد السلف, هنا، يجب ألا ننسى الطبيعية المدينية «للاسلام السوري»، وكلنا يعرف كيف أن الاسلام الذي أتى به معاوية بن أبي سفيان من الجزيرة العربية كيف اتخذ مسارا «تجاريا» وعالميا، اذ اتفق ذلك مع طموحات ومآرب تجار دمشق وبورجوازيتها في ذلك الوقت، كذلك يجب التذكير أنه في ذلك الوقت، أي في دمشق، انتهت حكاية الاسلام الثورة والعقيدة، وبدأت مسيرة اسلام الدولة والمؤسسات. ما قصدناه أن هناك ارثا مدنيا تاريخيا عند السوريين تؤكده الى اليوم تجارب العيش المشترك بين مختلف الأديان، ففي دمشق وأحيائها القديمة يمكن للزائر أن يرى كيف أن مسلما ومسيحيا يحتسيان القهوة كل صباح لأنهما يعيشان كجيران منذ مئات الاعوام. كذلك يمكن مشاهدة صور مشابهة في العديد من القرى والمدن السورية، مثل حمص واللاذقية وطرطوس وحلب وغيرها، حيث الأفراح والأحزان تبدو واحدة.

ما أردنا قوله انه ورغم الحجم الطاغي للغالبية «السنية» مقارنة ببقية الطوائف، فهذا لا يعني أن خياراتها «اسلامية»، ولا يعني أنها تنشد نظاما اسلاميا، ربما هم يحلمون بالديموقراطية وتداول السلطة والاعلام الحر والشفاف، لكن أن ينضووا تحت عباءة رجل الدين فهذا شيء آخر تماما. ان التركيبة الطائفية والاثنية ومعرفة بعض الأرقام تفيد هنا لناحية تقدير ورسم صورة عن المستقبل السياسي في سورية، ولمستقبل الاسلاميين تحديدا فيما لو حصلت أي انتخابات ديموقراطية, هذه الأرقام هي على الشكل التالي: يبلغ عدد سكان سورية اليوم نحو 18 مليون نسمة موزّعين على الشكل التالي:
- الســـــنّة -45 في المئة - 8,100 مليون العلــــويون- 20 في المئة - 3,600 مليون الأكــــراد - 15 في المئة - 2,700 مليون المسيحيون- 12 في المئة - 2,160 مليون الـــدروز- 3 في المئة - 540 ألفاً المرشديون- 3 في المئة - 540 ألفاً الاسماعيليون- 1,5 في المئة - 270 ألفا الشيعة - 0,5 في المئة - 90 ألفا وهذا يبيّن أنّ سورية، مجموعة من الأقليّات،، وان كانت الطائفة السنيّة هي كبرى الأقليات السورية اذ تبلغ نسبتها 45 في المئة من المجتمع السوري، بما في ذلك العرب السنّة، والتركمان، والشركس، والشيشان، والأقليّات السنيّة الأخرى, وهؤلاء كما أسلفنا متعددو الاتجاهات السياسية، كما أنهم منقسمون بين المدينة والريف, كذلك فان المسلمين «السنة»، وهذا أهم ما في الموضوع، من غير الجائز تصويرهم كما لو أنهم كتلة سياسية واحدة.