"طبعاً، ما كانت المسألة مسألة حرية تعبير". لقد سمعت هذه العبارة مرات لا تحصى في كراتشي مؤخراً، وهي ذات علاقة بالتجاذبات حول الرسوم الكاريكاتورية الدنماركية. وهنا لا تجد شيئاً غير إدانة الصحف الأوروبية، التي نشرت الرسوم المذكورة. لكن هناك خطين آخرين يتفرعان عن هذه الإدانة: الخط الأول يتصل بالرسوم، التي تسببت بتظاهرات صاخبة، وميل متزايد للعنف. والخط الثاني للإدانة لا يركز على الفعل ذاته، بل على النوايا المختفية وراءه. وقد شجع الرسميون الفرضية القائلة إن الدنماركيين الأوروبيين الآخرين إنما استثارونا بالرسوم وغيرها، لكي نسلك سلوكاً عنيفاً! فقد أقبلت احزاب سياسية على إدانة المؤامرة الغربية لاستثارة المسلمين.

وقالت وزارة الخارجية الباكستانية إن الرسوم هي جزء من رعاية خبيثة. وقد سألت رجل أعمال في كراتشي اعتدت أن احترم آراءه في الشأن السياسي، هل تظن أن الناس يقبلون رواية المؤامرة هذه؟ فأجاب: نعم! لكن هناك طريقتان للعب بهذا الأمر: الصمت المطبق بحيث لا يستطيع أحد الاستمرار في الكلام والتصرف وحده.

والطريقة الثانية: أتريد القتال؟ طيب، سوف نقاتلك! وكل ذلك يتوقف على السلوك الذي ينتهجه القادة الدينيون الذين يسيطرون على الجمهور، ويتحركون باسمه لكن: الى أي حد أو نسبة يبلغ الذين يقولون إنها مؤامرة خارجية؟ في قهوة بكراتشي جلست مع اثنتين من صديقاتي من معلمات المدارس، ومحامية، ومهندسة داخلية، وطرحت السؤال الخالد: هل كان المقصود بالرسوم الإثارة، وكان الجواب بالإجماع: نعم، أرادوا إثارتنا وإهانتنا! وتابعت: إذن كانت هناك مؤامرة لدفع ا لمسلمين للتصرف بعنف؟ وهنا حدث صمت طفيف وقلن جميعاً، لا، لم تكن هناك مؤامرة! وما كنت متأكدة من السبب الكامن وراء إنكار المؤامرة، وهل كان ذلك بسبب الإحساس بالسخف والذي أحاط بتعبير: "منظرو المؤامرة"! ولذلك سألت: لماذا كانت الإثارة إذن؟ وكانت الإجابة: لا ندري بالتحديد فربما كان السبب موجوداً هناك في السياسات الداخلية بالدنمارك، أو كان السبب إيران أو إسرائيل، من يعرف؟ أي شيء يمكن أن يكون سبباً! وقالت إحداهن: ما كمن الانزعاج في الرسوم الدنماركية وحسب، بل لأن الصحيفة الفرنسية أعادت نشرها وهي تعرف تماماً كيف يشعر المسلمون بشأنها. وما كان ذلك إلا ليعبروا عن مقدار احتقارهم لمشاعر المسلمين وعقائدهم! وفي المساء، على العشاء قال أحد أعضاء العائلة: إنها العنصرية. فأنت تتصرف بطريقة تعرف أنها تثير الناس وتغضبهم، وعندما يغضبون، ويخرج ذوو اللحى وقد احمرت عيونهم لما نزل بالإسلام، توجه أصابع الاتهام للجميع قائلاً: أنظروا، كل المسلمين متعصبون! وتابع آخر من العائلة: كل هذه الأمور يستغلها اليمين في أوروبا، والذي تأتي شعبيته من إثارة التجاذبات العنصرية. وتدخل والدي في الحديث وقال: من الخطأ اعتبار الأوروبيين عنصريين، والمسلمين متعصبين.

لكن الى أن يظهر أحد شجاع يقول للمسلمين: لا تخربوا شوارعكم! وللأوروبيين: تجنبوا الإثارة والعنصرية والمؤامرات، التي تتحول الى حكايات خطيرة في الإعلام، لست أدري كيف يمكن بالفعل تجنب هذه المشكلة والمشكلات المشابهة! ركزوا على أفعال حماس لا أقوالها

ماذا تفعل عندما تحدث اشياء ايجابية لأشخاص سيئين؟ هذا هو السؤال الرئيسي الذي طرحه فوز حركة «حماس» إثر فوزها بأغلبية مقاعد البرلمان الفلسطيني الذي من المفترض ان يؤدي القسم اليوم السبت. ما حدث ربما يفتح الباب امام احتمالات جديدة للتوصل الى تسوية طويلة الأمد، او هدنة، في العلاقات الاسرائيلية ـ العربية. كما ان ثمة احتمالا ايضا بحدوث فوضى كاملة. في سياق هذا الوضع لا يجب ان تكون هناك دهشة إزاء ما يمكن ان يحدث.

ولا يجب ان تكون عناك اوهام ايضا: «حماس» مسؤولة عن أعمال عنف انتحارية لا توصف ضد المدنيين الاسرائيليين. وسيكون لإسرائيل مبررها اذا قالت ان السياسة الصائبة الوحيدة تجاه «حماس» اليوم هي القتال حتى الموت.

ولكن، هل يعتبر هذا الخيار صحيحا الآن؟ اذا أرادت اسرائيل ان تتخلص بالفعل من «حماس»، او تنزع سلاحها على الأقل، فإن الجهة الوحيدة التي يمكن ان تفعل ذلك هم الفلسطينيون انفسهم. فهم الذين أدلوا بأصواتهم لمصلحة «حماس» في انتخابات نزيهة اصر الرئيس جورج بوش على إجرائها.

إذا فشلت «حماس» في قيادة السلطة الفلسطينية، فإنه يجب ان ينظر الى هذا الأمر في سياق كونه فشل من جانب «حماس» نفسها ـ لأنها لا تستطيع ان تتحول من جماعة إرهابية الى جهة حاكمة تسعى الى تحقيق السلام والأمن والحكم العادل ـ وليس كنتيجة لعدم منح اسرائيل والولايات المتحدة فرصة لـ«حماس».

يقول خبير الاستطلاعات الفلسطيني خليل الشقاقي انه «إذا اتضح للفلسطينيين في أي لحظة ان فشل «حماس» جاء نتيجة ضغوط، فإن أي انتخابات فلسطينية مقبلة ستأتي بانتصار آخر لـ«حماس»».

ولكن، حتى إذا تعرضت «حماس» لضغوط دفعتها للفشل، من الذي يضمن ان الفلسطينيين سيعقدون انتخابات اخرى؟ إذ من المحتمل ان تكون هناك فوضى مستمرة.

ويقول الشقاقي انه لهذا السبب ينبغي انفتاح اسرائيل والولايات المتحدة لفكرة ان تصبح «حماس» مشاركة في حكومة وحدة وطنية فلسطينية تحت رئاسة محمود عباس (ابو مازن)، زعيم حركة فتح المؤيد للتوصل الى اتفاق سلام مع اسرائيل. ويقول الشقاقي انهم يريدون ان يوفروا لحركة «حماس» سياقا (فلسطينيا) «تبدأ من خلاله ان تجعل من مواقفها اكثر اعتدالا دون ان تجبر على فعل ذلك من جانب اسرائيل او الولايات المتحدة». بمعنى آخر، إذا أقبلت «حماس» على التغيير، فإنها ستتغير فقط في حال اضطرارها الى مواجهة الواقع المتمثل في انها يمكن ان تعطي الفلسطينيين اكثر من خلال التفاوض مع اسرائيل وليس من خلال محاربتها.

ولقد اظهرت كل الاستطلاعات ان السبب الرئيسي لفوز «حماس» هو رغبة الفلسطينيين في مزيد من الامن وفساد اقل وحكم افضل ـ وليس دولة اسلامية.

وقد بدأ المسؤولون في «حماس» في الاشارة الى معرفتهم بضرورة مواجهة هذا الصدام بين آيديولوجيتهم من ناحية وما يحتاجه الفلسطينيون اليوم. وكما اشار المتحدث باسم «حماس» في الضفة الغربية فرحات اسعد، في رام الله: «نفهم مثلما يفهم الآخرون ان السياسات ليست قائمة على المبادئ فقط. ولكنها على المصالح ايضا».

من يدري ما اذا كان ذلك صحيحا. ولكن اسرائيل لديها مصلحة هائلة لاختبار قدرة «حماس» على التطور. لأنه اذا ما استمر التزام «حماس» بوقف اطلاق النار الحالي، وتركز على حكم افضل، وتبدأ ضمنيا، وليس رسميا، في تأييد عملية المفاوضات مع اسرائيل، فإن الفوائد بالنسبة لإسرائيل ستكون هائلة.

فلاول مرة سيصبح «الشارع الفلسطيني» «حماس» و«فتح»، بأكمله ممثلا في المفاوضات، مما يجعل اية مفاوضات مع اسرائيل اكثر شرعية.

وكما لاحظ المنظر السياسي الاسرائيلي يارون ازراحي «اعتاد الاسرائيليون على القول ان كل بوصة قدمها ليكود برئاسة ارييل شارون تساوي كيلومترا قدمها حزب العمل. ونواجه الان موقفا مشابها مع الفلسطينيين. أية اتفاقية مع «حماس» تساوي اكثر كثيرا من اتفاقية مقبولة من اشخاص لا يمكنهم التسليم».

وكانت اسرائيل مهووسة بدفع منظمة التحرير الفلسطينية للتخلي عن ميثاقها، ولكن في النهاية، لم يؤثر ذلك على سلوك عرفات الحقيقي بأي شكل. وهذا هو السبب، بغض النظر عن الشروط التي وضعتها اسرائيل للسماح للاموال بالوصول الى حكومة بقيادة «حماس» او التفاوض معها، فإسرائيل في حاجة لسؤال نفسها هذا السؤال: ما الذي سيؤثر على الاسرائيليين اكثر ـ اذا اعترفت «حماس» بالدولة الاسرائيلية اليوم ورددت النشيد الوطني الاسرائيلي، او اذا ما حافظت على الطلاق النار وعملية المفاوضات؟

اعتقد انه اذا اعترفت «حماس» بإسرائيل اليوم، كما يطالب البعض في اسرائيل، فلن يثق أي اسرائيلي بأي كلمة. لماذا يثقون بها؟ الطريقة الوحيدة التي ستدفع الاسرائيليين للثقة بأي كلمات لـ«حماس» هو اذا ما تابعوا تغييرات في افعالها على ارض الواقع ـ وليس قبلها.

ولذا فمن المهم الا تضع اسرائيل والولايات المتحدة والفلسطينيون انفسهم في موقف صعب الان حول الكلمات والتعبيرات. لا يوجد ما يمكن ان تقوله «حماس» اليوم يمكن ان يبث الطمأنينة بين الاسرائيليين، ولكن يوجد الكثير الذي يمكنها القيام به على الارض ويكون له تأثير كبير مع الوقت. وهذا ـ الان ـ هو الاختبار.