معقل زهور عدي (كنعان)

نشر موقع البديل لنشطاء مناهضة العولمة في سورية نص وثيقة مقترحة لتأسيس تيار وطني – ديمقراطي – اجتماعي، ويهمني في هذا المقال مناقشة الخلفية الفكرية السياسية التي تستند اليها تلك المبادرة في محاولة لتبين مغزاها ودلالتها في سياق تطور الصراع الاجتماعي – السياسي الجاري في سورية.

خلف المشهد السكوني الراهن والذي يتكون من عناصر متعددة ومتداخلة تتضافر وتتكثف حول ضرورات ملحة (الحريات العامة ، دولة القانون، محاربة الفساد، الديمقراطية) تختفي تشكيلات متنوعة من المصالح الاجتماعية والتيارات الفكرية يرتبط بعضها بآخر صيحات العولمة الرأسمالية، وبعضها الآخر ما زال يرتبط بتشكيلات اجتماعية مغلقة وقديمة تحاول يائسة الدفاع عن وجودها ومصالحها المهددين.

طرح (اعلان دمشق) التغيير الوطني الديمقراطي كمهمة تاريخية، وسعى الى ايجاد تحالف واسع ليكون حاملا اجتماعيا لها، وفي رؤيته (التاريخية) تلك أظهر استعدادا للتنازل عن الايديولوجيات لصالح الامساك باللحظة التاريخية الراهنة والبناء عليها.

للوهلة الأولى تبدو تلك النظرة واقعية تحاول الاستفادة من دروس الماضي. المشكلة هنا في رؤيوية تلك النظرة، فاللحظة التاريخية لا تطرح التغيير الديمقراطي فقط، أو هي لاتطرحه معزولا، ولكنها تطرحه من جهة وتطرح مسائل اجتماعية – سياسية أخرى بنفس الحدة يؤدي التقليل منها ليس فقط الى عدم الامساك باللحظة التاريخية، ولكن الى احتمال تحويل التغيير الديمقراطي الى مسخ قد يتمخض عن مجرد تغيير في شكل النظام السياسي وانفراج عام دون الانتقال الى ديمقراطية حقيقية (ديمقراطية مصرية أو اردنية) أو بالانتقال الى دولة محاصصة طائفية وعرقية (ديمقراطية عراقية).

يمكن القول بتحفظ أنه اذا كانت المسألة مسألة تغيير في شكل النظام مع انفراج عام فتلك مسألة قد حسمها مجمل تطور الوضع السياسي السوري آخذين بالاعتبار العلاقة بالسياسة الدولية وتكاد تكون في متناول اليد.

اما اذا كانت المسألة مسألة تأسيس ديمقراطية حقيقية بعيدة عن الاشكال الطائفية ، ديمقراطية مشاركة شعبية وليس ديمقراطية شكلية لأصحاب الأموال والمافيات وأمراء التعصب الفئوي والعشائري فهذا سيحيلنا ثانية للوحة الصراع الاجتماعي – الداخلي في علاقته مع الصراع الاجتماعي الجاري على نطاق العالم.

في اعلان دمشق رؤية تحاول الركوب على نتيجة حسمها تاريخ الصراع السياسي وستنفذ غالبا ليس بيد قوى اعلان دمشق بل خارجها.

المبادرة التي تطلقها الوثيقة المقترحة لتأسيس تيار وطني – ديمقراطي اجتماعي تتوجه الى الأحزاب السياسية داخل وخارج التجمع الوطني الديمقراطي والتي تقف بتراثها السياسي على أرضيات متشابهة بينما تعاني اليوم من تاثير الرؤيوية التي رافقت اعلان دمشق والتي تحاول تحويل الاعلان من مقترح برنامج مرحلي تكتيكي الى شيء يشبه الايديولوجيا الجديدة، ايديولوجيا تمزج داخلها عناصر فكرية متباينة لتخرج وكأنها الايديولوجيا البديلة عن برامج الأحزاب السياسية للتجمع الوطني الديمقراطي، ولكون تلك الأحزاب تعاني بصورة طبيعية من ضعف تجديد برامجها السياسية التي فقدت جاذبيتها بسبب تدهور الروح النقدية فقد أصبحت قابلة لاستقبال الايديولوجيا الجديدة والتأثر بها.

ثمة مسافة بين البرنامج المرحلي التكتيكي الذي تمليه موازين القوى والمرتبط بهدف التغيير الوطني الديمقراطي وبين تحويل ذلك البرنامج الى خط سياسي – فكري بديل يلغي الخط السياسي الفكري للتجمع الوطني الديمقراطي.

هذا الفرق يتضح بسهولة حين يستعرض المرء الخط السياسي الفكري للتيار الليبرالي الذي يمثله أفضل تمثيل السيد رياض سيف الذي لا نملك سوى أن نحترم رأيه بقدر ما نختلف معه.

وبهذه المناسبة لعل من المفيد التذكير بالفرق بين ليبرالية السيد رياض سيف (وريثة الليبرالية التقليدية) ذات القاعدة الاجتماعية والجذور التاريخية وما يمنحه ذلك لها من حس بالانتماء وبين الليبرالية الجديدة (اليسار الليبرالي) التي لاتملك مثل تلك الجذور، وتدفعها أزمة الانتماء لمواقف سياسية متناقضة تقف في بعض الأحيان على يمين الليبرالية التقليدية.

وفي الاسقاط على أرض الممارسة يتضح الفرق بين النظرة التي تميز الخط الفكري السياسي عن البرنامج المرحلي التكتيكي بكونها تسعى الى ايجاد آليات عمل مشتركة وتجد ان جوهر وظيفة أية هيئة قيادية تمثل البرنامج المرحلي (التحالف) تكمن في التنسيق ووضع تكتيكات تسمح بتوسيع أرضية التحالف واستخدام الأدوات المتاحة كالاعلام والرأي العام للوصول الى الناس والى معسكر النظام أيضا لكسب من يمكن كسبه او تحييده والنفاذ الى عمق المجتمع عن طريق مختلف الهيئات المدنية والاجتماعية.

أما النظرة الأخرى التي تدمج البرنامج المرحلي بالخط السياسي الفكري فتندفع باسم اعلان دمشق الى متاهات السياسة الخارجية وتحليلات الأوضاع الاقليمية وايجاد قاموس جديد للمصطلحات والمفاهيم كالمنظومة العربية، بل ومهاجمة خطوط فكرية سياسية أخرى، وفي المقابل تظهر بؤسا في التعامل مع المجتمع وما يفرزه من تعابير مدنية وثقافية وسياسية هي أكثر تنوعا وغنى من أية مخططات مسبقة التصميم.

سعت الوثيقة المقترحة لتأسيس تيار وطني ديمقراطي اجتماعي الى اعادة ابراز الانتماء الأصلي لتيار التجمع الوطني الديمقراطي باعتباره الخط الفكري السياسي للكتلة التاريخية (الطبقات الوسطى والفقيرة وجزء من الليبرالية الوطنية) هذا الخط يقوم على تمسكه بأهداف ثلاثة:

الهدف الديمقراطي، الهدف الوطني – القومي، الهدف الاجتماعي، معتبرا ان من غير المقبول في أي وقت التفريط بأحد تلك الأهداف لصالح هدف آخر.

ولكون الحامل الاجتماعي الحقيقي للديمقراطية في مفهومها الوطني – التشاركي (ديمقراطية وطنية لاطائفية) لأوسع فئات الشعب وليس لأصحاب الثروات، تكفل حدا من العدالة الاجتماعية ولا تدوس على مصالح الملايين من أجل حفنة من الأغنياء، تحفظ للبلاد سيادتها وانتمائها الحضاري العربي الاسلامي ولا تفرط بهويتها وارادتها تحت ضغط قوى العولمة، هذا الحامل الاجتماعي لمثل تلك الديمقراطية لا يمكن ان يكون سوى الكتلة التاريخية التي يتكون جسدها الأساسي من الطبقات الشعبية والوسطى ومن ينحاز اليها من الليبرالية الوطنية، من أجل ذلك كان ثمة تلازم بين المضي قدما في الديمقراطية الحقيقية وبين تبلور الوعي السياسي للحامل الاجتماعي لها.

هذا الخط السياسي الفكري قد تم طمسه أو تشويهه منذ فترة بفعل تيار اليسار الليبرالي الذي حاول استبداله بوهم ايديولوجي واضعا المسألة الديمقراطية في مواجهة المسألة الوطنية – القومية والمسالة الاجتماعية ومحاولا وضع الآخرين أمام خيارين لا ثالث لهما:

اما ان تكونوا مع الديمقراطية بمفهومها الرأسمالي دون تحفظ وبالتالي تضعوا أهدافكم الوطنية – القومية والاجتماعية على الرف أو تسلموها لنا لنعيد انتاجها لكم بصيغ أكثر لطفا وأناقة (المنظومة العربية) أو تكونوا مع الاستبداد والقومجية واليسارية والعياذ بالله.

لقد كشف تيار اليسار الليبرالي عن نفسه (رغم محاولات التنكر المستمرة) في عدة مواقف، فهو لا يعترف بمشروع الهيمنة الأمريكية على المنطقة، ولا يهمه ما جرى في العراق من قتل وتدمير وتفكيك (في الواقع هو يعتبره انجازا ديمقراطيا)، وفي الموقف الملتبس من المسألة الفلسطينية وخط المقاومة، وكذلك في مسألة الانتماء العربي ، وموقفه من الديمقراطية الطائفية، ودعمه غير المشروط لاقتصاد السوق.

مشكلتنا مع تيار اليسار الليبرالي أنه لا يستطيع العمل سوى داخل الأحزاب والتيارات الوطنية – القومية – الديمقراطية – اليسارية أو بالقرب منها باذلا جهده لحرفها بالاتجاه الليبرالي.

من أجل ذلك كان ضروريا ظهور الوثيقة المقترحة لتأسيس تيار وطني – ديمقراطي – اجتماعي.

في الحقيقة لا شيء جديد ، فالتيار المفترض هو ذاته تيار التجمع الوطني الديمقراطي مضافا اليه بعض الأحزاب والقوى المتشكلة حديثا كمناهضة العولمة، وبعض اللجان والهيئات المدنية، هو تيار الكتلة التاريخية، ماهو مطلوب أن لا نسمح للتيار الليبرالي بنسفه أو اختطافه، وان نهتم بنقده وتجديده في ذات الوقت، خاصة في المسألة الديمقراطية، آخذين بالاعتبار الشروط المستجدة لمرحلة العولمة.

هي دعوة لوعي البرنامج السياسي الفكري لذلك التيار وتميزه خارج اعلان دمشق و داخله على حد سواء.