مشهدان أحدهما يسبق الآخر بقليل وكلاهما يشير إلى تصدع علاقة تحالف ثلاثية بدا لفترة طويلة أنها علاقة تحالف وثيق، المشهد الأول: عبد الحليم خدام في باريس يدعو لتغيير النظام البعثي الحاكم في سوريا!

والمشهد الثاني: سعد الحريري العائد من باريس بعد أشهر من الغياب عن بيروت يفتتح حضوره بهجوم كاسح على سوريا، وهذه في الحقيقة خاتمة مسار طويل من التصدع في العلاقات السورية الفرنسية التي كان لبنان فيها دائماً شريكاً غير مرئي تحت «الوصاية السورية».

والتصدع ظهر علناً عندما وقفت فرنسا وراء القرار 1559 وهو ما اعتبره البعض لغزاً بينما تلقاه آخرون بدهشة، أما الآن فلا مكان إلا للفهم.

الفهم يبدأ من العودة لمفهوم الميكيافيللية السياسية، فربما كان من أهم ما يبقى من نيقولا ميكيافللي الذي شكلت أفكاره الملمح الأبرز للممارسة السياسية في العالم خلال العصر الحديث كله ضرورة وجود مسافة واضحة تفصل «الخطاب السياسي» عن «الفعل السياسي» على نحو يجعل لغة السياسة أقرب إلى الشفرة التي تحتاج فك رموزها قبل التعاطي مع دلالاتها.

وعندما طرح المفكر العربي الإسلامي المرموق الدكتور عبد الوهاب المسيري في موسوعته «اليهود واليهودية والصهيونية» نموذجاً تفسيرياً جديداً للتعاطي مع الظاهرة الصهيونية كان من بين المفاهيم المركزية التي استخدمها لفهم العلاقة بين الحركة الصهيونية والغرب ما يسميه «العقد الصامت» بين الحركة الصهيونية والغرب.

وهو عقد غير مكتوب لكنه لعب الدور الأكبر في تاريخ العلاقة بين الحليفين، كما أن عجز أي من الطرفين عن فهم بنود هذا العقد الصامت بدقة كان مدخلاً لاضطرابات تعتري هذه العلاقة.

ويعد الصدام بين المستوطنين الصهاينة وسلطة الانتداب البريطاني قبيل نشأة الكيان الصهيوني ثم اشتراكه في العدوان الثلاثي على مصر حالتين كلاسيكيتين للفشل في فهم «حدود» هذا العقد الصامت.

كما أن الصدام بين أميركا ونظام صدام كان حالة نموذجية لذلك العجز وهو ما يعكسه بوضوح قول صدام حسين للسفيرة الأميركية جلاسبي في اللقاء الشهير بينهما: «وأستطيع التأكيد لكم أنه لو اكتسح الإيرانيون المنطقة لما كان في استطاعة القوات الأميركية وقفهم إلا باستخدام الأسلحة النووية. لقد فعلنا أكثر مما كانت الولايات المتحدة ستفعله مع من يهاجم مصالحها».

وأول مداخل سوء الفهم أن يقدر طرف ثمن خدماته للطرف الآخر على نحو مبالغ فيه ثم يصر على التصرف بناء على هذا التقدير الذي غالباً ما يعتبره الطرف الآخر «ابتزازاً»!

ويعد تعبير «التفاهمات الضمنية» التعبير الأكثر تداولاً عن تلك الظاهرة التي تشير إلى سمة بنيوية في الخطاب السياسي وبخاصة الرسمي منه، «الدايلي تلغراف» البريطانية في افتتاحيتها (5/ 2/ 2005) ضربت مثلاً لذلك مقارنة بين الخطاب السياسي الأوروبي ونظيره الأميركي قائلة:

«عندما يتحدث الأوروبيون عن «الاستقرار» و«الحوار البناء» فإنهم يقصدون بذلك إبرام الصفقات مع الحكام الديكتاتوريين. لكن على النقيض فإن رايس تتحدث بدون حرج عن تصدير الحرية وتستبعد غياب البعد الأخلاقي في السياسة الخارجية».

والهدف بطبيعة الحال ليس السجال حول مدى صدق الأميركيين في حديثهم المعلن عن الحرية بل السعي لفهم أعمق لآلية كل من الدبلوماسية الأوروبية ـ مع التجاوز في التعميم ـ والدبلوماسية الأميركية، حيث يختبئ خلف هذا المفهوم أحد مفاتيح فهم التصدع الذي يعتري العلاقات الفرنسية السورية.

وفي هذه العلاقة الثلاثية التي يبدو أنها قد وصلت إلى نقطة اللاعودة يوجد المفتاح على الأرجح في باريس، فالعلاقات الفرنسية السورية مركبة وقديمة، والمؤرخ الفرنسي هنري لورنس لا يجاوز الحقيقة كثيراً حين يقول إن فرنسا قامت بـ «تكوين العالم العربي الحديث».

وبصماتها أكثر وضوحاً في الدول التي تحكمها النخب العسكرية، فمنذ نجحت فرنسا في إيصال محمد علي باشا لحكم مصر ونموذج «دولة محمد علي» يتم استنساخه عربياً مع تفاوت في التفاصيل.

وفي الدولتين اللتين حكمهما البعث فإن الأثر الفرنسي يكون مضاعفاً، وليست مصادفة أن أهم مؤسسيه كانت تربطهم بفرنسا علاقات متميزة، وكذلك العلاقات الرسمية بين فرنسا ونظامي البعث السوري والعراقي.

وبعد فشل فرنسا في إنقاذ البعث العراقي من مصيره المحتوم فإنها على الأرجح قررت أن الوصول لحل مع أميركا في مساعيها لإحداث تحول ديمقراطي في العالم العربي أكثر واقعية من الاستمرار في مساندة نظم سياسية تفتقر للقاعدة الشعبية ويمكن أن تسقط أمام أي عمل عسكري أميركي محتمل، حتى لو كان الاحتمال مستبعداً.

وتشير ردة الفعل الفرنسية على مشروع «الشرق الأوسط الكبير» إلى ملامح هذا الحل الوسط، فبعد هرولة أوروبية لمساندة النظام السوري اقتصادياً وسياسياً بدأ الاتجاه يتغير بعد أن عجز النظام السوري عن قراءة الحدث في ضوء تحولات من الطبيعي أن تطرأ على «العقد الصامت» بين دمشق وباريس، ومع تغير الموقف الفرنسي لم يكن لدى سوريا إلا التعبير عن الدهشة من التحول!

ومنذ صدور القرار الدولي 1559 حتى الموقف الفرنسي من اغتيال السيد رفيق الحريري يبدو أن السوريين ما زالوا يصرون على فرض «الثمن» الذي يقدرونه هم لتحالفهم مع فرنسا أو نظير خدماتهم للمصالح الفرنسية في المنطقة.

وهم بذلك لا يكتفون بتكرار خطأ النظام العراقي بل يتجاهلون أن فرنسا دخلت صراعاً مع مستوطنيها الفرنسيين في الجزائر عندما عجزوا عن رؤية المتغيرات الداخلية والدولية التي كانت تحتم على فرنسا الانسحاب من الجزائر.

وليتهم يدركون قبل فوات الأوان أن التاريخ خير معلم، لكنه معلم لا يرحم!