نشرت جريدة "النور" لسان حال الحزب الشيوعي السوري، عضو الجبهة الوطنية التقدمية مشروع التقرير الاقتصادي الذي أقرته اللجنة المركزية للحزب وعرضته للمناقشة. وأنا هنا لست بصدد مناقشة التقرير، لأن تقارير عدة من هذا النوع قدمت للحزب الحاكم خلال السنوات الثلاثين المنصرمة ولم يؤخذ بها. إنما سأبدي بعض الملاحظات التي استرعت انتباهي.

جاء في التقرير "لا نغالي اذا قلنا إن النهج الوطني هو المستهدف، وكذلك ما تبقى من المكاسب الشعبية. وإن قوى العدوان والاستغلال تبدو متجبرة وممسكة بالمبادرة، وهي تمعن في خلق وتعميق الأزمة".

لم يحدد التقرير ما هي قوى العدوان والاستغلال هذه، هل هي الامبريالية والصهيونية الحاضرة على الدوام، أم هي قوى محلية خفية قادرة على استهداف النهج الوطني وما تبقى من المكتسبات الشعبية، أم هي قوى من داخل النظام ذاته ولا يستطيع التقرير الاشارة اليها صراحة؟

يتابع التقرير "إن البورجوازية الناشئة" التي حققت منذ منتصف السبعينات مكاسب كبيرة، قد راكمت لديها معظم السيولة المالية للبلاد، واستخدمت هذا التراكم راس جسر لتبديل موازين القوى في البلاد لصالحها، لتفرض هيمنتها على الوضع الاقتصادي".

مَن يقرأ هذا الكلام يظن ان هناك صراعاً عنيفاً يحتدم بين الحزب الحاكم والجبهة الوطنية التقدمية من جهة، وبين "البورجوازية الناشئة" من جهة أخرى. تلك البورجوازية التي نهبت السيولة النقدية في البلد، ولم يستطع النظام بكل جبروته وأجهزته منعها من ذلك. ويتساءل المواطن: ما هي القوة الجبارة التي تملكها هذه "البورجوازية الناشئة" التي جعلت منها قوة أعظم من قوة الدولة؟ اعتقد ان الحزب الشيوعي يعرف من هي هذه "البورجوازية الناشئة" ولكنه لا يستطيع الاشارة اليها، لأن ذلك خط أحمر.

جاء في التقرير "وهكذا تشكل تحالف أصحاب الريوع والكسب الطفيلي ليشكلوا بمجموعهم طبقة "الاغنياء الجدد" التي تسعى الى إخضاع سياسة الدولة برمتها الى اهداف هذا التحالف، مستفيدة من ضيق الهامش الديموقراطي وانعدام النضال المطلبي. وهذا التجمع الطبقي هو مصدر الفساد المستفحل، وهو سبب تفاقم الصعوبات في الاقتصاد وفشل التنمية بحيث تحولت من تنمية مجتمع الى تنمية طبقة".

ترى ألا يعرف الحزب الشيوعي أن طبقة "الاثرياء الجدد" اليوم هم فقراء الامس. وهم الذين فرضوا حالة الطوارئ والاحكام العرفية، وهم الذين "ضيقوا الهامش الديموقراطي" وهم مصدر الفساد والرشوة وتفاقم الصعوبات في الاقتصاد وفشل التنمية، وهم الذين حولوا التنمية من "تنمية مجتمع الى تنمية طبقة"؟

ثم يصل التقرير الى وضع المهام الآتية: "إن مصلحة الاقتصاد الوطني تقتضي:

إخضاع نشاط هذه الفئة لخطط الدولة،

إلزامها بالتقيد بالقوانين، إلزامها بدفع الضرائب،

تحصين مؤسسات القطاع العام تجاه نفوذها لاستئثارها بأرباحه وموارده.

أي إن هذه الفئة "فئة الاثرياء الجدد" لا تخضع لخطط الدولة، ولا تلتزم بالقوانين، ولا تدفع الضرائب، ويخشى على مؤسسات القطاع العام من نفوذها وشفطها أرباحه وموارده".

ترى لماذا، والامر كذلك، لا يدعو الحزب الشيوعي الى اجتماع استثنائي للجبهة الوطنية التقدمية يبحث فيه اتخاذ قرار يرصد مليون دولار تعطى جائزة لمن يقبض على هذه "القوة الخفية" ويسلمها لأقرب مخفر للشرطة؟!