منذ نحو أربعة أشهر والغضب الإسلامي يتصاعد يومياً ضد الحكومة الدنماركية وبعض البلدان الغربية، على خلفية ما نشرته صحيفة «يلاندز بوستن» الدنماركية من رسومات كارتونية، تسيء إلى الرسول محمد (ص)، وتصفه بالعنف والإرهاب. وأصبح الغضب الإسلامي مثل كرة الثلج التي تكبر وتكبر وتتدحرج، في ظل موقف دنماركي «ضعيف جداً».

لن أكون أكثر تحليلاً أو تمحيصاً ممن سبقوني بالكتابة في هذا الموضوع المهم والشائك والحساس. وفي اعتقادي أن تصاعد الغضبة الإسلامية في مواجهة التعنت الدنماركي، والبطء الأوروبي في استصدار وصفة المعالجة السريعة، بما يطفئ اشتعال النيران شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، ينبئ بما يشبه صراع الأديان أو الحضارات. وأعتقد أنه يتوجب على منظمة المؤتمر الإسلامي تشكيل فريق عمل على قدر واسع من الثقافة والاطلاع الفقهي، لإدارة الحوارات والمفاوضات مع نظرائهم في الاتحاد الأوروبي، واجراء مقابلات مع رجال الدين في الدنمارك، لتبيان خطورة هذه القضية، والتعريف بسيرة النبي محمد وبراءته مما نسب إليه، ومخاطبة السفارات الدنماركية في البلدان العربية والإسلامية، وإشعارهم بحجم استياء المسلمين، لإبلاغ المسؤولين في بلادهم، والصحيفة الناشرة، بحجم الخطأ وفداحته.

تضاف إلى ذلك، ضرورة التعاون مع المراكز الإسلامية والثقافية، واعضاء الجالية، والشخصيات الإسلامية المعروفة في الدنمارك، لرفع قضايا قانونية في المحاكم الدنماركية أو محاكم الاتحاد الأوروبي، والبحث عن الصيغ المناسبة في الأنظمة والقوانين الدنماركية التي تدين وتجرم تلك الأفعال الشنيعة، وتمنع تكرار نشر مثل تلك الصور المسيئة للنبي محمد (ص). مع إشعار الدنماركيين بتنامي ظاهرة الكره والحقد ضدهم في الشارع الإسلامي، بما يؤثر على مستقبل علاقاتهم مع العالمين العربي والإسلامي.

وفي الجانب الآخر، على الحكومات الإسلامية تهدئة النفوس والتزام رؤية الاعتدال والتسامح التي نادى بها الدين الإسلامي، وعدم تصعيد المواقف وتأجيج العصبيات، بما يزيد «غضبة النفوس»، إيماناً بأن ما نشر على ورق صحيفة صفراء، لا يطال الرسول الكريم، ولا يقلل من عظمته وبراءته. وعليها العمل وفق رؤية استراتيجية متزنة للدفاع عن النبي، بطلب إنزال أشد العقوبات بمن قاموا بهذا العمل المشين، والتشهير بعقوبتهم في الصحافة العالمية، مع الاستمرار في حملة المقاطعة للمنتجات والشركات الدنماركية، وإشعار الحكومة الدنماركية بأنه «بلا اعتذار واضح» من الصحيفة والحكومة لعموم المسلمين، لن تهدأ تلك «الغضبة» في الشارع الإسلامي، مع الاشارة إلى ان الاعتذار كفيل بعودة العلاقات إلى نصابها تدريجياً.

في كثير من الأحيان، يكون التعاطي مع المواقف بهدوء ورؤية ديبلوماسية قادراً على ضمان عدم تكرار هذه التجاوزات المشينة، إلا أنني لا اتفق مع قطع العلاقات الديبلوماسية بين البلدان، فعندما تسيء الوسائل الإعلامية إلى العلاقات بين الحكومات، لا يتطلب الأمر لحل الخلافات الوصول إلى نقطة «قطع العلاقات» وإزالة لغة الحوار المباشر، خصوصاً اننا نعلم ان الحكومات الغربية تمنح الإعلام بطاقة «حرية التعبير»، وعدم التدخل في شؤونه، لكونه «مستقلاً»، وليس الأمر دفاعاً عن الإعلام الغربي وسوء ما فعل، وإنما بقصد التحليل، لكن ذلك لا يعني انتفاء الرقابة الذاتية والتزام الحق والعدل، وعدم تصوير الرسل والانبياء في صور العنف والإرهاب والشتم لهم، وانما أرى ان الحل الأنسب هو استمرار مقاطعة المنتجات الدنماركية، والتفتيش في القوانين لتقديم الصحيفة إلى المحاكم الدنماركية والدولية، بما يمنع تكرار مثل ذلك العمل المشين. ولا شك في أن موجة الغضب التي تجتاح الأمة العربية والإسلامية أمر طبيعي، فلو كتب عن عيسى أو موسى عليهما السلام مثل ذلك فلن يسكت العالم أجمع، وأوله الدول العربية والإسلامية، لأن أركان الإيمان الستة توجب ان يؤمن المسلم بالله وملائكته وكتبه ورسله، وباليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره. أي ان الإيمان بالرسل وكتبهم من أركان الإيمان، ولا يرضى أحد ان يتحدث عنهم بسوء أو تشويه صورهم.

وهنا أؤكد ان الحرية مطلب إنساني، إلا ان تجاوز حدودها والاستخفاف بالانبياء والرموز لا يرضي العقلاء ولا الجهلاء على حد سواء، كما ان الصمت في مثل هذه الحالات «أمر سيئ»، لكن العمل على رفضه بما يضمن منع تكراره، أمر يساعد الشعوب على التعايش السلمي، و «التوافق» وإزالة لغة الصراعات والصدامات والعصبيات.