هآرتس يبدو أن قسماً من خطوات الرد التي تخطط لها الحكومة في أعقاب اداء البرلمان الفلسطيني قسم اليمين الدستورية خطوات حتمية، فإسرائيل لا تستطيع التسليم بسيطرة الهوية الحماسية على المناطق الفلسطينية، فيما تتملص قيادة السلطة من كل التزاماتها السابقة. ولا يقتصر الأمر على عدم تجريد المنظمات الارهابية من سلاحها فحسب، كما عاد وتعهد الرئيس محمود عباس قبل عدة أشهر، بل إن حماس على وشك تشكيل حكومة من دون المساومة على مبادئها. حركة حماس تطرح عبارات ضبابية حول استعدادها لأن تتحمل بشكل مؤقت وجود اسرائيل في المنطقة، وضمن حدود 1967 طبعاً، لكن قادتها سبق لهم أن أعلنوا أنهم لن يغيروا ميثاق حماس ولن يعترفوا بوجود "العدو الصهيوني". لقد اضطرت اسرائيل للمناورة وهي تحمل في يدها أوراقاً سيئة جداً، فغياب الرد سيُفسر على أنه خضوع للشروط التي تمليها حماس. وحتى الآن ثمة قلق نابع من مجموعة فرضيات تقف ورا الخطوات المتبلورة: التفكير بأنه يمكن بناء "جدار مانع" دولي ضد السلطة التي تسيطر عليها حماس، توهم أنه يمكن المس بالسلطة كعقاب من دون المس بالسكان الفلسطينيين في المناطق الفلسطينية، وقبل كل شيء توهم محاولة فرض انتخابات جديدة على الفلسطينيين ينتخبون فيها قيادة مناسبة لاسرائيل. مضى أقل من أربعة أسابيع على انتصار حماس وبات من الواضح أن الجبهة العالمية ضدها تنهار قبل قيامها، فإضافة الى دعوة قادة حماس لزيارة الرئيس الروسي، وردت تقارير عن دعوات متوقعة الى تركيا والأردن، إلى جانب تحفظات من الاردن ومصر عن فرض عقوبات ضد السلطة، ويبدو أن اتصالات اوروبية غير رسمية مع حماس مسألة وقت فقط، واسرائيل في أحسن الأحوال، يمكنها أن تأمل بقاء الولايات المتحدة إلى جانبها، لكن هذا الأمر كان موجوداً أيضاَ أيام المقاطعة التي كانت مفروضة على ياسر عرفات. اقتُبس عن مستشار رئيس الحكومة دوف فايسغلاس، قوله في مداولات يوم الاربعاء الماضي، أن هدف العقوبات المُزمعة هو جعل الفلسطينيين يشعرون كمثل الذين يتبعون حمية غذائية، ينحفون لكن دون أن يموتوا من الجوع. لكن من الصعب رؤية كيفية تحقق هذا الهدف، فإذا لم يتم نقل الأموال لدفع الأجور في السلطة، فيسعني ذلك أن عشرات آلاف العائلات ستجوع لأنها ستُحرم مصدر رزقها. وإذا لم يُسمح بدخول آلاف العمال من القطاع، فإن أقارب العائلات المرتبطين بهم سيعانون. وعليه فإن التمييز الجارف بين "السلطة" وبين "السكان" تمييز مصطنع، لا بل مردود. وعندما يُسأل الذن يأخذون القرارات عندنا من الذي سيُنقذ المناطق الفلسطينية من كارثة انسانية، يُجيبون: جمعيات الاغاثة الدولية. لكن هذا الحل يمكن أن يصمد لفترة زمنية قصيرة نسبياً، فعندما جربت إسرائيل في السابق هذه المحاولة بعد حملة "السور الواقي" في العام 2002 اضطرت إلى التراجع عنها تدريجياً في ضوء الانتقادات العالمية. لكن الأمر الأكثر إشكالية من أي شيء آخر هو افتراض أن الضغط الشديد على السلطة سيُفضي إلى انتخابات جديدة في غضون فترة زمنية قصيرة وأن فتح ستفوز فيها. فإذا كان ثمة عبرة يمكن تعلمها من جهود ادارة بوش لنشر الديموقراطية في العالم العربي، فهي أنه لا يمكن للعامل الخارجي فرض النتائج. واسرائيل بدورها انكوت بهذه النار في كل مرة حاولت فيها تتويج سلطة وفق رغبتها لدى الخصم (روابط القرى في الثمانينات، حرب لبنان 82)، انتهى الأمر بفشل ذريع. اسرائيل تقف أمام معضلة سيئة. ثمة ما يتعين القيام به، لكن ليس واضحاً مدى جدواه. بيد أن سياسة السير على الحافة مقابل حماس تحمل في طياتها مغامرة خطيرة. فالفلسطينيون توجهوا نحو المزيد من التطرف عدة مرات خلال السنوات الخمس الأخيرة عندما زاد الضغط الخارجي عليهم. ومن الأفضل لمن يغامر بحسم مصائر الأمور لدى الطرف الثاني، أن يدرس انجازاته على المستوى التكتيكي أيضاً. فأمس كثف الجيش الاسرائيلي انتشاره على الحواجز عند مداخل رام الله، بهدف منع دخول نواب حماس من أرجاء الضفة لأداء قسم اليمين. لكن الفلسطينيين ضحكوا، فباستثناء النواب المعتقلين في اسرائيل وأولئك الذين بقوا عالقين في غزة، تمكن سائر أعضاء البرلمان من الدخول إلى رام الله من دون صعوبة.