كان الشيخ بشارة الخوري أول رئيس استقلالي وأحد أبطال الاستقلال. وعندما خرق الدستور وجدد لنفسه، انقسم البلد وقامت عليه الناس إلا أزلامه ومنتفعوه، فسارع واستقال ولم يخرج من منزله إلا متوفى. وكان كميل شيمعون رئيس الازدهار. وحاول أن يمدّد لنفسه وأزلامه، فقامت الثورة وأرغم على الخروج في آخر يوم للولاية. وكان اللواء فؤاد شهاب أول رؤساء الدولة الحديثة والعادلة واللاطائفية، وأراد أن يمدد لمشروعه الإصلاحي، فوجد أن المزاج اللبناني لا يطيق فكرة خرق الدستور، فمضى الى منزله معتزلا، ولم يخرج إلا متوفى. العماد إميل لحود جدد له في قيادة الجيش بمراسيم غير دستورية وخرق من أجله الدستور، في وقت أعلنت فيه الأكثرية الساحقة من الناس، بأكثر من طريقة، أنها تعارض التمديد له. وذهب رجل مؤدب مبالغ في التهذيب يدعى رفيق الحريري الى حد القول، إنه يكسر يده ولا يقترع لإميل لحود. لكنه كسر يده واقترع، من أجل سلامة لبنان. فالناخب الوحيد كان سورية، وسورية أصرت، لأسباب غير مفهومة حتى الآن، على التمديد لإميل لحود بعد حوالي عقدين في قيادة الجيش والرئاسة.

تبع التمديد الذي تميز بعلانية غير ضرورية في تحدي الناس وخرق الدستور، مرحلة شديدة السوء في تاريخ لبنان: الدول الكبرى قاطعت القصر الجمهوري ومعها دول أوروبا. ومجلس الأمن أصدر قراراً يرفض من خلاله شرعية التمديد. وتحولت بيروت الى ساحة كبرى للشهداء، جميعهم من معارضي الرئيس. وقامت في 14 مارس (آذار) الماضي تظاهرة من مليون ونصف مليون إنسان تطالب باستقالة الرئيس. وفي 14 فبراير (شباط) الماضي نزل مليون إنسان يرفعون الشعارات ضده. وفي غضون ذلك أدخل السجن أركان نظامه من العسكريين. ولم يعد يذهب الى القصر الجمهوري إلا سياسيو النظام الأمني ودعاته.

كان الرئيس لحود، يحتمي، حيال المعارضين، بأن بطريرك الموارنة كان يلمح ولكن عبثا. الى أن أعلن هذا الأسبوع إنه مع ذهاب لحود ولكن ضمن القانون وليس في الشارع. وردّ لحود عبر «مصادر القصر» بأنه سوف يستخدم صلاحياته «الدستورية» لحل مجلس النواب. ولبنان اليوم أمام معركة كبرى وربما أمام حرب. وذريعة هذه الحرب تعلق إميل لحود بالدستور الذي عدّل من أجله مرتين. ولكن الحقيقة أن الرجل وفيّ لسورية التي تحدت العالم أجمع من أجل أن تمدد له. وتخلى الرئيس بشار الأسد عن وعد قطعه للرئيس جاك شيراك من أجل أن يبقى العماد لحود في قصر بعبدا. وأمام المعارضة العالمية كان التنازل الوحيد هو التمديد له ثلاث سنوات بدلا من ست. ولذا ليس في إمكان الرجل اليوم أن يقول لشعبه إنه سوف يوفر عليه الحرب والخراب على حساب ميزته الشخصية في الوفاء.

إن أصعب ما في لبنان ليس الوضع السياسي الذي قام منذ مجيء إميل لحود الأول والثاني. المأساة هي في الوضع الاقتصادي الكارثي. ووحده هذا الوضع جعل بطريرك الموارنة يخرج عن تقاليد عمرها ستة عقود ويسحب الثقة من رئيس الجمهورية. لكن الرئيس باق. ليس من اجل لبنان، فهذا وطن لا يُبقى من أجله. ولكن من أجل الدستور. وما أعطى.