كان من دأب السياسي الإسرائيلي السابق أبا إيبان, المعروف بأقواله المأثورة الجوفاء, أن يقول دائماً إنه لم يسبق للفلسطينيين مطلقاً أن فوتوا فرصة لإهدار فرصة ما, لاحت لهم. أما اليوم فقد حان دور الإسرائيليين لإهدار فرصة للسلام, لاحت أمام أعينهم مباشرة! فبدلاً من مقاطعة وزعزعة ولي ذراع "حماس" –إلى آخر مفردات استراتيجية الإفلاس العاطلة- فإنه ينبغي على إسرائيل أن تعترف بهذه الحركة الإسلامية المعارضة على أنها شريك فلسطيني بإمكانها التعاون والعمل معه. والأسباب التي تستدعي الاعتراف والتعاون مع "حماس" جد واضحة وبديهية, في مقدمتها وأولها, التأييد الشعبي الواسع الذي تحظى به الحركة في أوساط الفلسطينيين. وإلا فكيف لها أن تزحزح منافستها لمنظمة "فتح" وتحتل مكانها باعتبارها ممثلاً شرعياً للطموحات والآمال الفلسطينية؟ والمغزى الرئيسي وراء هذه الشعبية والشرعية, أنه في مقدور "حماس" الوفاء بأي اتفاق أو صفقة تبرمها مع إسرائيل. وإذا ما حرص الإسرائيليون فعلاً على وضع حد للهجمات الانتحارية عليهم كما يقولون, فليعلموا أن "حماس" هي التنظيم الفلسطيني الوحيد القادر على توفير ضمانة كافية لتحقيق هذا المطلب. ليس ذلك فحسب, بل تستطيع "حماس" أن تمنح كلاً من إسرائيل والعالم الغربي فرصة ذهبية فريدة للتفاوض حول تسوية سلمية للنزاع الإسرائيلي الفلسطيني, بما يساعد على تجفيف واحد من أهم مصادر الغضب والغليان العربي الإسلامي.

وإذا ما كان إيهود أولمرت -رئيس الوزراء الإسرائيلي بالإنابة- رجل دولة بحق, فإن عليه الإمساك بعرض الهدنة طويلة الأمد الذي قدمته له "حماس", ومن ثم الاستعداد للدخول في مفاوضات جادة مع الفلسطينيين حول الوضع النهائي, في أجواء يسودها الأمن والهدوء المتبادل بين الجانبين. لكن لو انسدت هذه النافذة, فإن ذلك لا يعني شيئاً سوى فتح الباب على مصراعيه أمام تنظيم "القاعدة" وأمثاله من التنظيمات والجماعات الإرهابية. وهنا لابد من القول إن "حماس" ليست حليفاً لتنظيم "القاعدة" ولا منظمة تابعة له, بقدر ما هي بديل سياسي له. وفي حال رفض إسرائيل وحلفائها الغربيين التعامل معها, فسيجدون أنفسهم مضطرين لمواجهة عدو أكثر عنفاً وأشد شراسة وبأساً. غير أن المؤسف أنه لم يلح في الأفق بعد, ما يشير إلى وعي هذا الدرس وتعلمه, سواء في سماء الغرب أم إسرائيل! بل على نقيض ذلك تماماً, يبدو أن مخاوف إسرائيل وقلقها يتزايدان من أن تحظى حركة "حماس" باعتراف دولي واسع النطاق, بأنها الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني, في الوقت الذي تبذل فيه تل أبيب قصارى جهدها لعزل "حماس" وتجريدها من شرعيتها. والمشكلة هنا بالطبع انغلاق قادة إسرائيل وأصدقائهم وحلفائهم الغربيين في سياج نمط الفكر السياسي البالي القديم. ويبدو عصياً عليهم الخروج على النهج الذي اختطه لهم أرييل شارون الذي لزم فراش المرض الآن. ويتلخص هذا النهج في اعتقاد شارون الراسخ بعدم إبرام أية صفقة مع الفلسطينيين قبل سحقهم تماماً وإلحاق هزيمة حاسمة بهم. وكما قالها الجنرال موشي يعلون رئيس أركان الحرب الإسرائيلي السابق بكل وضوح وصراحة, فإن على إسرائيل أن تبرهن للفلسطينيين أن الإرهاب لن يثمر عن شيء ولن يجديهم نفعاً. وإلى اليوم لا يزال هذا الجنرال يؤكد المعاني والقناعات ذاتها.

ففي حديث له في الثامن من الشهر الجاري بـ"معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى" الموالي لإسرائيل, أعلن أن السبيل الوحيد لحل المشكلات والتعقيدات التي تسبب بها فوز "حماس" وتسلمها لمقاليد السلطة الفلسطينية, هو تقويض سلطتها في أسرع وقت ممكن. ولكن مشكلة "يعلون" تكمن في أنه لا يرى أن الانتفاضة الفلسطينية التي اندلعت منذ قبل خمس سنوات وتوجت أخيراً بهذا الفوز الساحق لحركة "حماس", تثبت لكل ذي بصيرة وبصر أن هذا النمط من التفكير بات عقيماً وموغلاً في البلى والخطأ. وعلى رغم هذه الحقيقة الواضحة وضوح الشمس, تمكنت إسرائيل من إقناع الولايات المتحدة الأميركية وبعض الدول الأوروبية, بأهمية الإسراع بوأد ودفن حكومة "حماس" قبل ولادتها وتشكيلها. وفي الاتجاه ذاته, تقدمت إلينا روز-ليتنين النائبة شديدة الولاء لإسرائيل بمقترح توصية إلى الكونجرس الأميركي خاص بـ"قانون مكافحة الإرهاب الفلسطيني" لعام 2006. هذا ويهدف القانون المذكور إلى عزل ومعاقبة الفلسطينيين على انتخابهم لحركة "حماس". وتفرض نصوص القانون قيوداً صارمة على المساعدات الإنسانية الأميركية للفلسطينيين, علاوة على تعيينه للأراضي الفلسطينية باعتبارها معقلاً للإرهاب, وحرمان تمثيل المسؤولين الفلسطينيين لبلدهم في الولايات المتحدة الأميركية, إلى جانب حرمان الفلسطينيين من تلقي المساعدات الإنسانية من الوكالات والمنظمات الدولية المعنية بالعمل الإنساني. وفي الأسبوع الماضي أصدر مجلس النواب قراراً بأغلبية ساحقة, صادق بموجبه على توصية تدعو إلى وقف أي زيادة في المساعدات الإنسانية الأميركية المقدمة للسلطة الفلسطينية ما لم تنبذ حركة "حماس" دعوتها الرامية إلى تدمير إسرائيل. بل خطت الولايات المتحدة خطوة سابقة لهذا القرار, من خلال مطالبتها للسلطة الفلسطينية باسترجاع مبلغ 50 مليون دولار كانت الحكومة الأميركية قد تبرعت به من قبل في إطار مساعداتها الإنسانية المقدمة للفلسطينيين. والتبرير الواضح لهذه الخطوة, رفض واشنطن واعتراضها على وصول ذلك المبلغ لحكومة فلسطينية تقودها "حماس". وفي معرض الهياج والمزاج الناري المستعر ضد "حماس" في أروقة السلطة ودوائر اتخاذ القرار الأميركي, جاء حديث عضو الكونجرس الديمقراطي جاري أكرمان –من ولاية نيويورك- معبراً أدق تعبير عن ذلك المزاج بقوله "حين تنظر حماس إلى الولايات المتحدة الأميركية وإلى الإدارة والكونجرس, فإن عليها ألا ترى سوى وجوه متجهمة وعيون لا تبرق إلا بالرفض والصد الذي لا يلين". ثم مضى إلى تبرير ذلك بقوله "إنه لا سبيل لإصدار غفران سياسي لهؤلاء القتلة".

وتناغم مع هذه الأجواء والحمية الأميركية المستعرة, تضافر الجهود والضغوط الأميركية- الإسرائيلية على كل من روسيا وتركيا بالذات, بسبب ما ينسب إلى مواقفهما من ليونة وتعاطف مع حركة "حماس". يذكر بهذه المناسبة أن وفداً رسمياً من حركة حماس –بقيادة خالد مشعل- كان قد زار العاصمة التركية أنقرة في منتصف شهر فبراير الجاري, في حين يتوقع لوفد مماثل أن يزور العاصمة الروسية موسكو في وقت مبكر من شهر مارس المقبل. ومهما يكن, فإن وراء كل هذه الأكمة من الخطابية النارية المعادية والعراقيل التي تريد إسرائيل وضعها أمام حركة "حماس", يكمن تمنع إسرائيل التاريخي وسياستها الاستراتيجية القائمة على عدم التفاوض السلمي مع الفلسطينيين على أسس عادلة ومقبولة لكلا طرفي النزاع. وخلف كل هذا الضباب, تكمن مطامع إسرائيل في الأرض, لا في السلام. فتل أبيب تدرك جيداً أن أي تفاوض سلمي عادل مع الفلسطينيين سيرغمها على التخلي عن القدس الشرقية العربية, فضلاً عن تنازلها عن مناطق واسعة من مستوطنات الضفة, إن لم تكن مستوطنات الضفة كلها في واقع الأمر. ولذلك فهي تبدو أكثر ميلاً وتمسكاً باستراتيجية شارون القائمة على "سرقة" المزيد من الأراضي الفلسطينية, وعلى فرض الحدود الإسرائيلية على الفلسطينيين أحادياً وبقوة السلاح, مقابل الاستمرار في دفع ثمن كل هذه المطامع –في سرمدية المواجهة والعنف والعنف المضاد- انطلاقاً من قناعة إسرائيلية راسخة بأنها صاحبة اليد الطولى والأقوى, وأن النصر المؤزر حليفها يوماً ما لا محالة.