القرار الذي اتخذته الإدارة الاميركية بتخصيص خمسة ملايين دولار لنشر الديموقراطية في سوريا، يرقى الى مستوى الإهانة للشعب السوري، والإساءة الى معارضته سواء المتشكلة حديثاً في الداخل، او المتجذرة في الخارج... برغم ان هدفه المباشر هو المساهمة في نشر الديموقراطية في لبنان اولا، وربما اخيراً. الإعلان الذي صدر في واشنطن مساء الجمعة الماضي عن هذه <<المعونة>> الاميركية المفاجئة، ترك الانطباع بأن سوريا دخلت فعلا في المسار العراقي الذي بدأ في منتصف التسعينات بصرف مبالغ مالية ضخمة على المعارضين العراقيين، وانتهى في ربيع العام 2003 بإسقاط نظام الرئيس العراقي صدام حسين.

بديهي أن المقصود بالإعلان كان أثره النفسي اكثر من قيمته المالية، التي يمكن ان يوفرها افقر خصوم سوريا اللبنانيين اذا استدعت الحاجة، والتي لا يمكن لأي من فصائل المعارضة السورية الجدية ان تقبلها بأي شكل من الاشكال... لسبب جوهري هو انه ليس هناك معارض سوري واحد يمكن ان يطمئن، في ضوء التجربة العراقية البائسة، الى الشراكة مع واشنطن في الحملة على نظام الرئيس بشار الاسد، عدا حزب الإصلاح الذي يتزعمه فريد الغادري المقيم في الولايات المتحدة والذي لا يضم في عضويته سوى بضعة مهاجرين سوريين. مع ذلك فإن القرار كان مدوياً فعلا، لأنه يمثل اول إشارة عملية الى ان واشنطن انتقلت من مرحلة الضغط من الخارج على النظام في سوريا، الى استكشاف احتمالات العمل في الداخل السوري، ليس من خلال إغراء المعارضين السوريين بمثل هذا المبلغ البسيط الذي لا يمكن ان ينشر الديموقراطية حتى في جزر القمر... بل من خلال تشجيعهم على المضي قدماً في محاولتهم إصلاح النظام وانتزاع بعض او ربما معظم قدرته على احتكار القرار الرسمي السوري. حتى الآن، يبدو ان واشنطن التي لا تزال ترغب بمثل هذا الاصلاح للنظام السوري، اختارت الاعلان عن ذلك المبلغ ليكون بمثابة إنذار يمكن ان يؤدي مع مرور الوقت الى تخصيص عشرات او ربما مئات الملايين، وربما ينتهي الى اعتماد خيار آخر غير التلويح بالمال لمعارضين سوريين لا ينقصهم الدعم الداخلي ولا حتى فرص الحصول على معونات نقدية اخرى من مصادر غير اميركية. توقيت القرار لم يكن عبثاً. هو جاء من خارج أي سياق سوري يوحي بأن المعارضين السوريين لم يعد لديهم من مشكلة سوى بعض المبالغ النقدية، لكنه جاء بالتأكيد ليواكب تحولاً حاسماً في السياق اللبناني العام، الذي شهد الأسبوع الماضي الإعلان الصريح من واشنطن بالتحديد عن حاجة لبنان الى رئيس جديد، يستكمل مسيرة فك الارتباط مع سوريا. وبهذا المعنى يبدو المبلغ الأميركي وكأنه تعزيز لحملة إسقاط الرئيس اميل لحود اكثر مما هو زعزعة لحكم الرئيس الاسد، الذي بات على الأرجح يدرك قيمة المعارضة السورية... لدى واشنطن!