هآرتس

داني روبنشتاين

الاقتراحات والكلام عن فرض عقوبات اقتصادية ضد الفلسطينيين، فرض الحصار، الحمية الصارمة، قطع الكهرباء، منع دخول العمال وغيرها من الأمور المشابهة، تشكل تصرفاً مرفوضاً ومثيراً للاستياء، من حيث المضمون والأسلوب. لكن مع ذلك اسرائيل مضطرة للاصرار على قبول حكومة حماس بمبدأ دولتين لشعبين، اي ان تعترف باسرائيل، وتحترم الاتفاقات التي وقعت في الماضي وعلى رأسها اتفاق أوسلو. وهذه الامور شديدة الوضوح الى درجة انه لا يوجد أي حاجة لشرحها، كما انه ثمة شركاء كثر لاسرائيل في هذه المطالب، في المنطقة والعالم، الذين يمكن معهم تنسيق ادارة المعركة. طوال الشهر الذي انقضى منذ فوز حماس في الانتخابات برز نهجان للرد الممكن. النهج الأول، المعتدل، تم التعبير عنه بشكل جيد من قبل الرئيس المصري، حسني مبارك، الذي اقترح في مقابلة مع القناة الأولى في التلفزيون الاسرائيلي عدم الانفعال وعدم التسرع. وهو أوصي بمنح حماس فترة زمنية كي تتكيف مع السلطة، وذكر ان مصر طالبت ذات يوم برمي اسرائيل في البحر. وأين انتم اليوم، سأل، في البحر؟ النهج الثاني، المتشدد، يمثله وزير الدفاع شاؤول موفاز، وآخرون في اسرائيل، ممن يطالبون بفرض فوري للعقوبات الاقتصادية الصارمة على السلطة الفلسطينية. من شأن مثل هذه الخطوات المس بالرئيس محمود عباس والتسبب في انهيار السلطة. وبغية تبرير هذه العقوبات اعتبر متحدثون امنيون اسرائيليون خطاب ابو مازن الذي القاه خلال افتتاح البرلمان الفلسطينيين، خطابا لزعيم ضعيف يخضع امام حماس ـ بينما في الحقيقة كان الخطاب متشدداً رد عليه قادة حماس بغضب. من المثير للاهتمام رؤية وجود تباين مماثل في الآراء ايضا في اوساط الجمهور والقيادة الفلسطينية، بين المؤيدين للنهج المعتدل تجاه حكومة حماس وبين الذين يطالبون بالتصرف بحزم. لكن النهج المعتدل يحظى بتأييد شعبي من قبل الشارع. وفي مقابل ذلك، فان ابو مازن مع بعض قادة فتح مثل جبريل الرجوب ومحمد دحلان سوية، يبدون كمن يؤيدون النهج المتشدد تجاه حماس، لا يوجد لديهم خيار آخر. فأبو مازن مهندس اوسلو، ودحلان والرجوب اللذين انشغلا عمليا في تنفيذ اتفاقات اوسلو، لا يمكنهم ان يتنكروا فجأة لماضيهم. على هذه الخلفية لا يمكن لدولة اسرائيل ان تتنازل لحماس بأي شكل من الأشكال. فكل تنازل اسرائيلي من شأنه ان يفسر على انه خيانة بحق ابو مازن. وليس صدفة انه ذكر في خطابه قرار المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر قبل 18 عاما، الذي صادف ووافق على قرار الامم المتحدة الذي يعني الاعتراف باسرائيل والموافقة على مبدأ دولتين لشعبين. فاذا كانت حكومة حماس لا توافق على هذا القرار اليوم ـ يتعين مقاطعتها، والمقصود المقاطعة السياسية لا الاقتصادية. وكل من يتنازل لمثل هذه الحكومة سيظهر فورا ابو مازن ورجاله، امام الفلسطينيين وأمام العالم العربي، كمجموعة انهزامية باعت مصالح شعبها من دون الحصول على مقابل حقيقي. يبرر قادة حماس موقفهم بتعليمات الاسلام، فهم لا يستطيعون الاعتراف باسرائيل لان ذلك سيشكل معصية ومخالفة لايمانهم. ومع كل الاحترام للايمان، لا يتعين الهلع من هذا الكلام، فكلما سألنا عددا اكبر من الخبراء ورجال الدين المسلمين كلما سمعنا تنوعا اوسع من الآراء. ثمة في الاسلام أسس متشددة، لكن فيه ايضا مبادئ براغماتية. فاذا كان متحدثو حماس قد وجدوا في السابق صيغة سمحت لهم بتطبيق وقف النار الموقت، الهدنة لسنين طويلة مع اسرائيل، فانهم يستطيعون ايضا ايجاد صيغة للاعتراف الموقت لسنوات طويلة بدولة اسرائيل. النزاع الاسرائيلي ـ الفلسطيني هو نزاع سياسي، وليس دينيا. في الماضي والحاضر كان لليهود ولدولة اسرائيل علاقات جيدة مع المسلمين ومع دول اسلامية، ويمكن ايضا السعي للتوصل الى حل وسط مع مسلمين متعصبين فلسطينيين لكن بشرط واضح وهو الاعتراف المتبادل.