أتاحت مسألة نشر الرسوم المسيئة في صحيفة دنمركية مجالا لإعادة قراءة طبيعة الشارع في العديد من دول العالم، بما فيها الشارع السوري، لأن الردود العنيفة أحيانا تقدم إشارات استفهام حول قدرتنا على قراءة الخارطة الفعلية، أو تطرح لونا جديدا من المعرفة لطاقة المجتمع على الاستجابة السريعة. فالموضوع كما يمكن أن ينظر له لا يرتبط فقط بمسألة الرسوم ، بل هو أيضا أشكال الاستجابة الاجتماعية، وما يمكن أن تقدمه من صور ثقافية، وذلك مع الأخذ بعين الاعتبار أن العنف هو "نتاج ثقافي" معبر عن طبيعة تفكير الناس وأساليب معيشتهم.

وما يقلق اليوم في ردود الفعل التي ظهرت يبرز في امرين:
- الأول هو الانتشار السريع لعمليات الاحتجاج، والاستجابة الواضحة لموضوع يتعلق بالنظرة الغربية "النمطية" للإسلام، حيث جاءت النتيجة من معظم المجتمعات الإسلامية على شاكلة الصورة النمطية ....

- الثاني هو في المكون الثقافي الديني الذي برز بقوة، رغم معرفتنا بوجوده أصلا، لكنه برهن على قدرته في الحراك ضمن مسائل مرتبطة أساسا بشأن وجداني فقط، لا يرتبط مباشرة بالشأن العام. وبمعنى ادق فإن الرمز الديني ليس له تأثير على مساحة الحياة العامة إلا إذا تم التعرض له مباشرة. أما انتهاك الرمز الديني بشكل مباشر فهو غائب تماما، ويدخل في هذا الإطار "الاستباحة" في العراق وفلسطين، والعجز عن إبراز دور الرمز في إنتاج ثقافة اجتماعية متطورة.

المهم في المسألة اليوم أننا نعيد اكتشاف "الشارع" في صورته الفاضحة، بعيدا عن التنظيرات المستجدة في مسألة الحقوق المدنية أو السياسية، أو حتى في أشكال الديمقراطية والليبرالية وغيرها مما تطرحه النخب السياسية ... فهل يمكن قراءة المستقبل بتجاوز هذا "الاكتشاف" معتمدين فقط على طبيعة التفكير الذي نريده ونحلم به؟!!

عمليا فإن المعارضة السورية على سبيل مثال لا الحصر، تتحدث عن "التحول" الديمقراطي ضمن برنامج الإجراءات المعروفة اليوم التي تبدأ بإلغاء قانون الطوارئ وصولا إلى حرية العمل السياسي والحزبي، وهذا الحق المشروع لا ينقصه سوى التعامل مع "الاكتشاف الجديد" لأننا بتنا نعرف ان "قادة الرأي" والمرجعيات المعرفية ليست موجودة ضمن "النخب"، وان الرمز ليس مسألة غائبة عن الرغبة الديمقراطية. وربما ما ينطبق على خطاب المعارضة يمكن سحبه باتجاه الخطاب الرسمي حول عمليات الإصلاح في مختلف جوانبها، لأن الصور التي ظهرت بشكل متتال بعد الرسوم المسيئة ربما تتطلب النظر من جديد إلى "هوية" الإصلاح المنتظر ... فالمسألة ليست تماشيا مع الصورة التي قدمت، إنما التعامل مع الصورة بشكل ينطلق بنا نحو المستقبل بدلا من ان نعلق في أزمة الماضي أو الحاضر.