يخطئ من يظنّ أنّ إميل لحّود <<وديعة سورية>>. لقد فُرض التمديد لإميل لحود من قبل سوريا، لكنّ الرئيس، بعد خروج الجيش السوري من لبنان، لم يبقَ في قصر بعبدا بقوّة سوريا. لقد بقي حارساً للقصر بفعل هشاشة انتفاضة الأرز، حتّى لا ينفرط عقد تلك الانتفاضة، وهي بعدُ في مهدها. إنّ بقاء إميل لحّود، بهذا المعنى، هو وديعة انتفاضة الاستقلال. هو وديعة انتفاضة عجزت عن استكمال مسيرتها بعدما مزّقتها التناقضات، وفرّقتها المصالح المتباعدة. بقي إميل لحّود في قصر بعبدا بعدما ظنّت بعض قوى 14 آذار أنّها تستطيع أن تُبقي الوضع المسيحي على ما هو عليه بعد الخروج السوري. كان المتوقّع أنّ يكون نائب بيروت الماروني عضواً في <<تيار المستقبل>>، وأن يختار سيّد المختارة جميع نوّاب الشوف الموارنة. تطلّب الأمر صدور بيان <<أُعذر من أنذر>> الشهير من قبل المطارنة الموارنة حتّى يُعدَّل الوضع بصورة طفيفة. يومها، قبل وليد جنبلاط بجورج عدوان على مضض، وحاول منع النيابة عن أرملة بشير الجميّل متسائلاً: <<كيف ستتجّول هذه السيّدة في شارع بربور؟>>.

بقي إميل لحود في قصر بعبدا لأنّ انتفاضة الاستقلال سرعان ما حوّلت المؤسسات الدستورية إلى أوقاف دينيّة. اختار السنّة رئيس الحكومة. وأسوة بذلك، تُرك للثنائية الشيعية اختيار رئيس المجلس النيابي. وحدها الأوقاف المسيحية كانت عرضة للتأميم. فلم يرُق انتصار العماد عون لشركائه في الانتفاضة. حاولوا الانقلاب على هذا الانتصار. فضلوا إشراك <<الوديعة السورية>> على إشراك الجنرال عون في الحكومة. واستمرّت في هذه الأثناء محاولات <<نفخ>> سمير جعجع، وانتظار عودته من فترة النقاهة في أوروبا. بقي إميل لحود في قصر بعبدا لأنّ الانتخابات النيابية ثبّتت حقيقة أن <<قرنة شهوان>> ليست سوى <<البدل عن ضائع>>، وأنّ زمناً يجب أن يمرّ قبل التمكّن من إعادة تأهيل أيّ من وجوهها كزعامة مسيحية قوية. وبقدر ما كانت تزداد الشهية على موقع الرئاسة، بقدر ما كان مستحيلاً التوافق على بديل.

بقي إميل لحود في قصر بعبدا لأنّ انتفاضة الاستقلال قد صدّقت أنّ شعار <<الحقيقة>> مرادف للحقيقة، وانتهزت المناسبة كي <<تغتال>> معنوياً كلّ خصومها عبر اتّهامهم جميعاً بالضلوع في عملية اغتيال الرئيس الحريري. فقدت <<الحقيقة>> بريقها ومصداقيتها. أعلن ميليس أنّ الرئيس <<ليس مشتبهاً فيه>>، ومن اعتُبِر <<متّهما>>، رُفض تسليمه من قبل السلطات... الفرنسية! لم تعد انتفاضة الاستقلال بحاجة إلى وديعتها في بعبدا. قُدِّم سمير جعجع كزعيم، وإن من <<كيس>> غيره، في تظاهرة 14 شباط. تمّ كسر المحرّمات مع المقاومة، ما يُبطل ضرورة التمهّل في تطبيق القرار 1559. مهّد اتفاق عون نصر الله لتحالف شيعي مسيحي من شأنه أن يُفقد التحالف السني الدرزي قدرته على السيطرة على البلاد. إنّ انتخاب رئيس جمهورية جديد من شأنه أن يضيف إلى المعادلة وجهاً مارونياً في الموقع الماروني الأوّل في الدولة متحالفاً مع سمير جعجع، ويشكلان معاً تغطية مسيحية لما تبقّى من الانتفاضة.

يصوَّر فوز التحالف الحاكم بالانتخابات النيابية وعدم تمكّنه من بسط سيطرته الكاملة على جميع مؤسسات الدولة، على أنّه وضع شاذ وغير طبيعي وإجهاض للمشروع الاستقلالي. يغيب عن بال هذا التحالف أنّه لا يستطيع أن يحصل على الرئاسة لمجرد حصوله على الأغلبية في المجلس النيابي. إنّ هذا خرق لأبسط قواعد الديموقراطية، وليسأل أركان الانتفاضة صديقهم السفير برنار إيمييه عن التجارب الفرنسية في التعايش بين طرفي الصراع السياسي. ولكن، ينبغي بداية أن يقتنع أبطال الانتفاضة بأنّ ثمّة صراعاً سياسياً في البلد. تقول وزيرة الخارجية الأميركية إنّ الرئاسة يجب أن تكون للمستقبل، وليس للماضي. إذا كان هذا القول صحيحاً، فربّما وجب تقديم هذه النصيحة إلى <<حماس>> كي تستكمل انتصارها، وتقيل الرئيس محمود عبّاس بحجّة أنّه من مخلّفات الماضي الذي يعيق الحركة الاستقلالية الفلسطينية!