لم يفد المؤرخ البريطاني ديفيد ايرفينغ ».. تراجعه« عن افكاره واجتهاداته حول.. المحرقة التي اضيفت اليها تهمة »احياء السياسة النازية« اذ حكمته المحكمة النمسوية بالسجن ثلاث سنوات!! ويبدو ان هذا »التراجع« هو صاحب الفضل في خفض مدة السجن من عشر الى ثلاث، كما توقع محاميه!!. ايرفينغ، من جهته، ابدى أسفه، واستغرابه من الحكم معتبرا ان خلفية اعتقاله وتوقيفه ومن ثم سجنه، »تتنافى مع حرية التعبير في اوروبا. وانه لم ينتهك القانون وانه لم يفعل الاّ ان حاضر عن النازية فقط«!!. أي انه.. لم يتهجم على اليهود او يحرّض ضدهم. وينس ايرفينغ، هنا، انه تجرأ على النظر الى الوقائع التاريخية، بدون ان يضع على عينيه وعقله العدسات اليهودية والاستعمارية في قراءة التاريخ!!. والتاريخ.. كما هو معروف، لا يكتبه الا.. المنتصرون!.

وفي الحقيقة .. اننا لم نقرأ ولم نسمع عن احداث الحرب العالمية الثانية الاّ ما كتبه أو ما رواه الحلفاء المنتصرون بتلك الحرب. لذا.. كان من الطبيعي جدا ان يبرز القادة في دول المحور (المانيا وايطاليا واليابان) وجيوشهم على هذه الصورة المفجعة من الغباء والتوحش والتخبط والهمجية، بعكس صورة القادة والجيوش في دول الحلفاء المنتصرين!! بل ان قادة زعماء دول، مثل اميركا وبريطانيا واسرائيل، ما زالوا حتى هذه الساعة، يصرّون على تشبيه كل قائد او زعيم او جماعة يقاومون مخططاتهم وسياساتهم العدوانية الاستعمارية بأنه او انهم هتلر او.. النازيون!!. قبل نحو اسبوعين عمد الرئيس الاميركي بوش الى تشبيه الرئيس الفنزويلي تشافيز بهتلر، مما دفع تشافيز الى الرد والقول بأن الرئيس بوش اسوأ من الزعيم النازي ادولف هتلر، بل ان هتلر سيكون طفلا رضيعا مقارنة بجورج بوش!!. واثر فوز حركة حماس بالانتخابات التشريعية الفلسطينية، جعل الكاتب اليهودي ابن اليهودية الذي طالما استضافته فضائياتنا الناطقة بالعربية، على اعتبار انه كاتب اميركي، عنوان مقاله الذي كتبه بالمناسبة »انتخاب الارهاب« شبه فيه فوز حماس بانتخابات 2006 بفوز هتلر في انتخابات 1933!!

وقبل تشافيز وحماس، كان هناك الكثيرون ممن جرى تشبيههم بهتلر. كان هناك صدام حسين الذي ظل بوش الاب ووزير خارجيته بيكر ووزير دفاعه آنذاك تشيني، وبوش الابن ووزير دفاعه رامسفيلد، والمكحلة السمراء وزيرة خارجيته، وظلوا يتنافسون على تشبيه الرئيس صدام بالزعيم النازي هتلر!! وقبل صدام وبعده، فاز بهذا التشبيه، الرئيس حافظ الاسد والرئيس المغدور ياسر عرفات، وقبل هؤلاء واولئك »استحق!« التشبيه واللقب كل من الدكتور الايراني مصدق والرئيس المصري جمال عبدالناصر والرئيس الكوبي كاسترو، بل ان الامر احيانا وصل الى درجة السخرية حينما تعمد اليهود ووسائل اعلامهم الى تشبيه الزعيم السوفياتي ستالين بهتلر، مع ان ستالين والقادة السوفييت والشعب الروسي لم يقدموا لهتلر وجيوشه الغازية الا سبعة عشر مليونا من الضحايا الانسانية!! نسيت ان اذكر ان الرئيس الايراني احمدي نجادي هو الذي يحتل الساحة الهتلرية هذه الايام، لأنه تجرأ على »بق الحصوة« وشكك بالمحرقة اليهودية، لأنها.. في نظره ونظر الكثيرين جدا حول العالم، اتخذت وتتخذ ذريعة لشتى صنوف الاغتصاب والارهاب والتوحش التي يمارسها المغتصبون الغزاة في كل من فلسطين والعراق!!

ومثلما قلنا في مقالة امس، نكرر اليوم التذكير بما كان ولم يزل، محط اجماع لدى المفكرين والقادة والمؤرخين، بأن هتلر وحزبه النازي، هما المحصلة الطبيعية ورد الفعل الحتمي المنتظر، للعقلية الاستعمارية والجشع الاستعماري والانتهازية الاستعمارية التي جرى تكريسها في مؤتمر فرساي بعد الحرب!! ان اطلاق اسم هتلر على كل من كان وما زال يقاوم الغزو والاحتلال والهمجية، كما هو شأن النازيين الجدد من حكام دول مثل اميركا وبريطانيا واسرآئيل وفرنسا، لن يكون من شأنه، الا عكس ما يتوقع هؤلاء النازيون الجدد وهو.. اعادة الاعتبار للزعيم النازي المشبه به!