تحليل البعد الاول الاوروبي في قضية الكاريكاتور قادنا في النهاية الى سؤال: هل كان من الممكن الا تتحرك قوى المحافظين الجدد والصهاينة للالتفاف على ارهاصات واقع متنام في اوروبا، ولكسر موقف الخط المتوازن الاستقلالي في السباق السياسي الدولي؟ وهو سؤال لا تنفع معه الاجابة المباشرة، اذ لا بد من تعديها الى الاستراتيجية المقابلة، وهي استراتيجية ذات خطين انتهيا الى التماهي الكامل: الخط الصهيوني وخط المحافظين الجدد الاميركي، خط تلتحق به بريطانيا والتيارات المؤيدة له بجميع الدول الاوروبية. هنا يبدأ التحليل من مفصل انتهاء الحرب الباردة وسقوط جدار برلين، من تلك اللحظة التي اعلن فيها جورج بوش الاب من باريس انه لم يعد هناك وجود لعالم متعدد الاقطاب: لحظة اعلان الامبراطورية، ورسو النظام العالمي الجديد، الذي لم يكن من قبيل المصادفة ان يجد ترجمته الابرز بعد اقل من عام في فرض النظام الاقليمي الجديد في منطقة النفط والجيوبوليتيك والصراع العربي الاسرائيلي.

كان استقرار الامبراطورية وبقاؤها مرهونين منذ اللحظة الاولى بالسيطرة على هذه المنطقة. واذا كانت الانتلجنسيا الاميركية قد جندت قواها الاستخبارية والبحثية مع اندلاع الحرب الباردة بنهاية الحرب العالمية الثانية لدراسة كيفية الهيمنة على هذه المنطقة، فقد كان من البديهي ان هذه السيطرة هي ضمان الهيمنة مع انتهاء الحرب الباردة، ففي العام 1958 اصدر المنظر السياسي الاعلامي ليرنر كتابه عن تحديث الشرق الاوسط وفق النمودج الاميركي كمحصل لتلك الابحاث، وفي العام 1991 كتب كولن باول يقول: لا شك اننا نحتاج للهيمنة على المنطقة في صراعنا القادم مع اوروبا النامية والصين ، لكنه فضل الا تتم هذه الهيمنة بالاساليب العسكرية. وفي العام 2003 اصدر هنتنغتون كتابه: ’’من نحن ، تحديات الهوية الاميركية’’ ليحدد فيه الهوية بثلاثة عناصر: العرق الابيض، الديانة البروتستانتية، والثقافة الانكلوساكسونية، معتبرا ان هذه الهوية لا تستطيع ان تعرف نفسها الا بالضد، لا تستطيع ان تصمد الا بعدو موازن، وبما ان هذا العدو الذي تمثل في الكتلة الشيوعية قد سقط، فان كل المحاولات لخلق عدو بديل (من عصابات المادلين الى نيكاراغوا الى..) قد فشلت لتفاوت الحجم، الى ان جاء العدو الاسلامي على طبق من ذهب ليشكل الضد الموازن، الضامن للبقاء. من هنا تصبح ضرورة تأجيج عداء الاسلام والعداء للاسلام في مقدمة الاستراتيجية الاميركية، والمفارقة ان هنتنغتون ومن ورائه عصبة المحافظين الجدد لا يعتبرون العالم الاسلامي خطرا حقيقيا، بل يرون الخطر الحقيقي في اميركا الشمالية، اللاتينية، الخلاسية، الكاثوليكية، ويرون الهيمنة على منابع النفط وسيلة مواجهة هذا الخطر، كما انها وسيلة الامساك بعنق اوروبا واليابان.

من هنا يكون مطلب تصعيد العداء للاسلام وعداء الاسلام مطلبا استراتيجيا لاميركا وحلفائها، في حين يرى فيه الاوروبيون الاستقلاليون خطرا كبيرا، اولا بسبب طبيعة الفضاء الجغرافي، وثانيا بسبب التكوين الديموغرافي الجديد للمجتمعات الاوروبية. وهذا ما عبر عنه شفينمان المستقيل عام 1991 ببلاغة: ’’ان الفوضى التي تنشأ على الضفة الشرقية للمتوسط لن تتأخر في عبوره الى الغربية، فيما لا يتحمله التوازن الهش لمجتمعاتنا’’. فهل ضرب اوروبا في نقطة الهشاشة هذه، ونقطة القوة الجعرافية معا الا المدخل الامثل لتحييد القارة العجوز، او لتحويلها الى الصف الاميركي الصهيوني، عبر احراج الخط الاستقلالي في سياسته الخارجية المعتدل المتوازن ان لم يكن المؤيد ازاء القضايا العربية؟ وعبر تدعيم الخط المعادي للعرب والمسلمين، وتهيئة الظروف المؤاتية له كي يحصد صناديق الاقتراع في كل الجولات؟ واذا كان مصطلح العرب يغيب من هذا الطرح، ليقتصر الامر على الاسلام، فلأن المطلوب محو مصطلح العرب من الذاكرة الانسانية، ومن العربية اولا، وذاك لكل الاسباب المذكورة اولا، ولان توسيع الدائرة يشمل دولا اسلامية مستهدفة هي الاخرى، ويضع مفهوم صراع الحضارات في سياقه الهنتنغتوني، معطيا بذلك المبرر المنطقي للقول بمشروع صهيوني يقوم على الدين اليهودي.

هنا نصل الى اسرائيل وصهاينتها، ونبدأ من المفصل نفسه، نهاية الحرب الباردة، اذ كان الصهاينة يدركون ان عليهم الهيمنة على الامبراطورية التي ستهيمن على العالم. كما ان الهيمنتين مشروطتان بالقضاء على سبل المقاومة، وبالتالي على كل تحرك لدعم وتأييد هذه المقاومة، على اية ساحة كانت. خنق المقاومة وخنق تأييدها يتطلب بدوره استصدار قوانين وتشريعات تجعله سلوكا مقبولا في دولة القانون وباسم القانون (وقد اختبر اليهود ذلك في موضوع المحرقة واللاسامية وتبينوا نجاعته)، لكن استصدار القوانين يتطلب اجواء شعبية وحكومية مؤاتية، اذن لا بد من خلقها وبجميع الوسائل التي يتقدمها الضغط والاستفزاز. وهل افضل للضغط والاستفزاز من بعبع الارهاب، وشبح العدو الاسلامي الرابض على الابواب وتحت المعاطف؟ وهل افضل لتحريك هذا الاوقيانوس الاسلامي المخيف من المس بمحرماته، ومن ثم باقدس مقدساته؟ وهل يجهل هؤلاء المخططون بان هذا الاوقيانوس ما زال يحتفظ بحساسية دينية لم تصل بعد الى فولتير وديدرو، لا.. ولا الى الانفلات البروتستانتي الجديد؟ في عام 1995 اصدر بنيامين نتنياهو كتابه الشهير ’’امن وسلام/ استئصال الارهاب’’ حلل فيه ما اسماه الارهاب، كما حلل اساليب مواجهته، سواء من حيث كشفه للجهود التي قامت بها اسرائيل والصهيونية في هذا الاتجاه منذ الثمانينات، او من حيث تقديمه للخطة الواجب اتباعها في المستقبل.

وهنا يتوقف المراقب عند ملاحظات: اولاها اعتبار استصدار قوانين محددة للحريات ضرورة حتمية لهذه المواجهة، وهنا يروي كيف كرست السفارة الاسرائيلية في واشنطن جهودها مند منتصف الثمانينات لاقناع الرأي العام الاميركي بهذا التحديد: ’’لم نترك فرصة مهما كانت كبيرة او صغيرة ومحدودة الا وساهمنا فيها لاثارة العداء والخوف’’. يقول بوضوح ويروي كيف اسست مؤسسة جوناثان على اسم اخيه الذي قتل في عملية عنتيبي، لتضم شخصيات مهمة من كل العالم (جورج شولتز - ليونيل جوسبان - سيمون فيل.. الخ)، وكيف ان معظم المشاركين كانوا يعارضون في الاجتماع الاول عام 1988 فكرة تحديد الحريات، ثم اصبح معظمهم مقتنعا بها عند عقد الاجتماع الثاني. الملاحظة الثانية هي تركيز الكتاب على ان عداء العرب والمسلمين للغرب ليس بسبب تأييد هذا الاخير لاسرائيل، بل ان عداء هؤلاء لاسرائيل هو بسبب كون هذه الاخيرة تمثل القيم الغربية. الملاحظة الثالثة هي القول ان الارهاب الدي يشكل تهيديدا حقيقيا هو ذاك الدي تدعمه الدول ولذلك لا بد من القضاء على القوة العراقية، ومن ثم الايرانية (مرورا بسوريا والسعودية وليبيا ومصر). الملاحظة الرابعة هي تقسيم الارهاب الاسلامي الى ارهاب سني وارهاب شيعي (وهدا ما كان جديدا عام 1995).

بعد هذا المانيفستو شكل نتنياهو لجنة سميت بلجنة العراق رئسها ريتشارد بيرل، وقدمت في 8 تموز عام 96 ما سمي وثيقة بيرل، والتي نصت على خطة لاسقاط العراق، ومن ثم سوريا فالسعودية فايران (دون تحديد الطريقة) وذلك تحت عنوان: ’’بزوغ استراتيجية جديدة لتأمين المملكة’’ مولها معهد الدراسات الاستراتيجية والدراسات العليا الذي ينفق عليه الملياردير اليهودي ريتشارد ساييفي. بعدها بيومين القى نتنياهو خطبة امام الكونغرس شدد فيها على ما ورد في الخطة وعلى الملاحظات التي سقناها اعلاه، ومنها قضية قوانين تحديد الحريات، وعداء الاسلام للغرب، خطبة تكررت بنفس المفاهيم، امام الكونغرس ايضا غداة احداث 11 سبتمبر، التي سهلت اصدار حزمة القوانين المعروفة في اميركا. في هذه الاجواء تهيأ العدوان على العراق، لتليه المقاومة التي لم يكن احد يتوقعها، مما راح يقدم كل يوم تأكيدات على صحة منطق معارضي الحرب في اوروبا.. تأكيدات كانت تترافق مع ارتفاع التأييد للفلسطينيين، وبتجرؤ اوروبي لم يسبق له مثيل ضد الاميركيين واليهود واسرائيل.

ونذكر على سبيل المثال لا الحصر الاستطلاع الذي دل على ان غالبية الاوروبيين تعتبر اسرائيل خطرا على السلام العالمي، المظاهرة المنقطعة النظير التي خرجت احتجاجا على زيارة جورج بوش لفرنسا في العالم الماضي، اقدام مقاطعة سور تروتديلاغ النرويجية على مقاطعة اسرائيل، اعلان الوزيرة كريستين مالفرشن عن حملة تضامن مع الشعب الفلسطيني وحقوقه، حملات الدعم للمقاومة العراقية وبدء اختراق هذه المقاومة لوسائل الاعلام، الاستطلاع الذي دل على ان غالبية الدانمركيين تؤيد سحب قوات بلادها من العراق.. الخ. هنا اصبحت الحاجة ملحة لتفعيل امرين والتعجيل بهما: تفعيل منطق الكراهية بين الغرب والعرب والمسلمين، انطلاقا من اوروبا لا من اميركا، واضعاف التيارات الاستقلالية والقوى المعتدلة او المؤيدة للعرب، مما يعني على مستوى القيادات حسم المعارك الانتخابية ضد هؤلاء، ولصالح القوى الاخرى، وعلى الصعيد الشعبي استصدار قوانين تمنعهم من التحرك. وقد جاءت تطورات الاوضاع على الساحة العراقية اولا، وعلى الساحات اللبنانية والفلسطينية ثانيا، وما هو مطلوب من الساحة السورية ثالثا لتعزز الحاح هذه الحاجة، الحاح عززه ايضا تراجع الدولار امام اليورو، نتيجة الوضع في العراق