تزامن اتصال الرئيس السوري الدكتور بشار الاسد، مع كل من الملك السعودي عبدالله بن عبد العزيز، والرئيس المصري حسني مبارك، قبيل وصول كونداليسا رايس الى المنطقة. وتزامن مع هذا الاتصال تعيين وزير الخارجية فاروق الشرع نائباً للرئيس، والسفير وليد المعلم وزيراً للخارجيّة. وتزامن مع كل ذلك، كلام لرايس قالته قبيل بدء جولتها <<ليس المطلوب تغيير النظام في سوريا، بل المطلوب تغيير سلوك هذا النظام>>، فهل بدأ التغيير في السلوك؟! يُضاف على لائحة المطالب الاميركية المفتوحة، ضرورة إحداث <<فك ارتباط>> بين النظام السوري، وإيران، سواء وصلت المفاوضات حول البرنامج النووي الى الطريق المسدود، ام تمّ التوصل الى تسوية ما في الربع الساعة الاخير.

هذا نموذج متقدم من <<التغيير المطلوب في السلوك>>، وحتى الامس القريب، لم يكن قد بدأ، من المنظار الاميركي، لا في العراق، ولا حتى في لبنان، والدليل أن دمشق لا تزال مطالبة بتنفيذ القرار 1559، إن ما يتعلق بتسلل السلاح والمسلحين من أراضيها، او ما يتعلق باستمرار دعمها ل<<حزب الله>>. تصل رايس الى السعودية على وقع تفجير أمني خطير في العراق استهدف المسجد الذي يضمّ ضريحي الامامين علي الهادي، وحسن العسكري. هذا يعني أن الاولوية لا تزال لمعالجة الوضع في بغداد، قبل الوصول الى طهران لإحداث فك التحالف القائم مع دمشق، واستطراداً مع لبنان. صحيح ان تطور الملف النووي الايراني يقلق الخليجيين، ولكن القنبلة الطائفية المتفجرة في العراق، تضاعف من هذا القلق، باعتبار ان شظاياها يخشى ان تطال دول الجوار، ولذلك كان هناك حرص سعودي مصري مشترك على استمرار جسور الحوار والتشاور مع الرئيس الاسد، لمواجهة التحديات المشتركة؟!

هل يلعب المصري، والسعودي دور الوسيط بين دمشق وواشنطن للتفاهم على المعايير، والأطر التي يجب أن يتبعها النظام السوري كي يبدو سلوكه <<متغيراً>> من المنظار الاميركي؟! الجواب: نعم. لكن ما هو حجم التأثير، والتغيير؟، فهنا تكمن المشكلة؟! نبدأ من لبنان، لم تكن السعودية راضيّة على الخطاب السياسي الذي استهدف سوريا، ونظامها، من ساحة الشهداء، وفي ذكرى السنوية الاولى لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري، لأن هذا الاستهداف، إنما كان استهداف لمبادرتها أيضاً التي تطالب بالفصل بين مسار لجنة التحقيق الدولية بجريمة اغتيال الحريري، وبين مسار العلاقات اللبنانية السورية. تقف مصر الموقف السعودي من هذه المبادرة، أي أنها لا تريد التفريط بالحقيقة، بل الحرص على معرفتها، ومعرفة من ارتكب هذه الجريمة، ولكنها، في الوقت نفسه، لا تريد أن يتحوّل لبنان الى متراس متقدّم للنيل من سوريا، ونظامها. ولا يمكن الطلب منها تغيير سلوكها، وهي المستهدفة أميركياً على جبهات ثلاث: جبهة وجوب الامتثال لبنود القرار 1559 في لبنان، وجبهة الامتثال للشروط والمطالب الاميركية في العراق، وجبهة الامتثال لمقتضيات فكّ التحالف الايراني السوري اللبناني؟!

هل أخطأت قوى 14 آذار التوقيت في مطالبتها بإقالة <<رأس النظام الامني اللبناني السوري>>؟! الجواب متنوّع، متفرّع. بعض الدبلوماسيين يقول بأن الغالبية قد ركبت هذا المركب الخشن بناء على نصيحة أميركية، لكن كونداليسا رايس لا تريد حاليّاً رئيساً في لبنان يحاكي المستقبل، بقدر ما تريد الضغط على سوريا أيضاً، ومن لبنان، ومن خلال الرئيس لحود، لحمل دمشق على التجاوب وتغيير سلوكها تجاه العراق، وطهران. وهناك من يقول إن مطالبة الغالبية بالتغيير، إنما جاءت استناداً الى نصيحة أميركيّة، وهذا التغيير سوف يتم من المنظار الاميركي لأن واشنطن ترفض الدخول بأي تسوية مع دمشق، والمطلوب أن تغيّر من سلوكها تجاه لبنان، وتجاه طهران، وتجاه بغداد أيضاً، حتى لا يصبح نظامها هو المستهدف، ويتم إدخاله في دوّامة التغيير، وفق الشروط، والمعايير، والمواصفات الاميركيّة؟!