لا نريد أن نصدق أن الفأس وقعت أخيراً في الرأس. وينبغي عدم الاستسلام لـ «منطق» الفتنة الطائفية في العراق. لكن الأهم أن يتعاون الجميع، الآن وليس غداً، لقطع رأس الأفعى قبل أن تستكمل بث سمومها. وأي تهاون أو اهمال لا بد أن يترجم حثاً وتشجيعاً على الذهاب الى مواجهة أهلية لن تزيد العراق إلا اضطراباً وتدهوراً وضياعاً إنها جماعات الإرهابيين المتعصبين والتكفيريين، نعم ولكن حان الوقت لوضعها عند حدّها، لأنها توغلت في الخطر الذي سينال من الجميع، وليس من فريق واحد أياً كانت هويته. يفترض ألا يكون هناك طرف عراقي واحد يمكن أن يدعي أو يعتقد بأنه مستفيد من سوءات الإرهابيين. فهؤلاء عبّروا مراراً وبوضوح عن أنهم يهدفون الى اشعال فتنة طائفية، لكن الغالبية الساحقة من الشعب العراقي التي شاركت في الانتخابات ردّت عليهم بوضوح أكبر بأنها ترفض خيارهم وتتبنى خط العملية السياسية لتصحيح الأوضاع الشاذة التي تسبب الاحتلال بها.

على مدى الشهور الماضية كانت الفتنة متنقلة، تتوسل الشرارة الأولى. ضربت جوامع ومساجد وحسينيات وكنائس وبيوت عبادة. سقط القتلى والجرحى بالعشرات والمئات. خرّبت مصالح وأرزاق للناس من كل الطوائف. حتى تأكد أن هذا الإرهاب لم يعد له وجه واحد ولا يدّ واحدة، بل أصبحت له عصابات وميليشيات عابرة المناطق والطوائف من اعتدى على مرقد الإمامين الشيعيين في سامراء كان يعرف ان عمله سيدفع بالتوتر القائم الى الاشتعال. والفتن الطائفية تقع عادة في بيئات يتربص ابناؤها بضعهم بعضاً. تكفي طلقة واحدة لتنطلق كل الطلقات ولا تعود تسكت إلا بعد دورة دم كاملة. هذا ما يجب الا يحدث، على رغم ان اعتداءات الأمس كانت كفيلة بتجاوز كل الخطوط الحمر كان هناك من يرغب في استغلال ما حصل في سامراء ليخطو بالوضع نحو مواجهة مفتوحة. لكن، مواجهة بين من ومن؟ في أحوال كهذه، عندما يجن الجنون، يصبح الذنب في الهوية المذهبية، واليها يحتكم القتل ليفرض جبروته. وفي أحوال كهذه ايضاً، لا يغير الضحايا شيئاً فموتهم أو بقاؤهم سيان، لأنهم ليسوا شركاء أصلاً في طاحونة الترهيب. وحدهم القتلة ينشغلون بصنع أمجادهم مراكمين احصاءات الدم المراق. أما المستفيد من المواجهة فيبقى بمنأى عن الخطر لأنه يتحرك في الظلام وينفث سمومه في التوقيتات التي تناسب هذا الطرف وذاك كان مفهوماً ان يدعو المرجع الشيعي الأعلى السيد علي السيستاني الى التظاهر احتجاجاً على ما حدث في سامراء، كان لا بد من تنفيس الاحتقان والحؤول دون الفلتان. المهم ان يعاد ضبط الشارع بسرعة، لأن حصيلة يوم الاحتجاج زرعت بدورها بذور ردود الفعل الآتية. وكانت مبادرة الرئيس جلال طالباني جيدة اذ توجه الى مرجعيتي السنة والشيعة كي تساهما في التهدئة وضبط النفس، فمثل هذا التحرك الرئاسي، الحيادي والمترفع عن الانحياز، يعطي ملمحاً جيداً لما يجب ان تكون عليه السلطة كلها. والمطلوب مزيد من العمل لبلورة آلية متابعة يشرف عليها الرئيس، متعاوناً مع المرجعيات، طالما أن الحكومة المنتهية ولايتها لا تستطيع ان تقوم بمثل هذا الدور. ثم ان المرجعيات هي حالياً أقوى وأعلى من الدولة والحكومة.

ليست الفتنة الطائفية والمذهبية الهدف الوحيد لعصابات الارهاب وميليشياته، فضلاً عن «فرق الموت»، وانما الهدف هو استباق قيام واكتمال الأمن الذاتي العراقي. فالارهاب، بوجوهه وأيديه كلها، سعى ويسعى، من داخل النظام الجديد ومن خارجه، الى قصم ظهر أي دولة عراقية قبل قيامها. ولعل أكثر ما يفتقد في مثل هذه الأيام القاتمة هو ذلك الأمن الذاتي الذي يحمي الشعب والدولة على السواء، ويستطيع اخماد الفتنة في مهدها. فكل اعتماد على قوات الاحتلال لا بد أن يفاقم الاستفزاز والأحقاد. لا شك ان ما حصل أمس في عموم العراق حافز للوسط السياسي كي يسرع في تشكيل «حكومة وحدة وطنية». فالمفاوضات الماراثونية والمساومات والابتزازات والاقصاءات لا تؤسس لحكم سويّ ولا لمصالحة وطنية، بل تعطي الفرصة أكثر فأكثر للإرهابيين كي يتلاعبوا بأمن البلاد والعباد.