تعرض كل رئيس لبناني حاول تجديد الولاية، لإهانات كان في غنى عنها، هو وبلده وعائلته. وذكراه في التاريخ. أهين الشيخ بشارة الخوري إهانات مُرة، مع انه كان رجل فكر وقانون وسياسة، من الدرجة الأولى. وأهين كميل شمعون وقامت في وجهه المتاريس والخنادق، مع أنه رائد النهضة الاقتصادية بكل وجوهها. وعندما انتهت ولاية الياس سركيس حاولت أميركا وسورية وعدد كبير من اللبنانيين، إقناعه بالتمديد ولو عامين. فرفض. وحاولوا معه أن يمدد عاماً، فأبى. ويوماً واحداً أبى أن يمدد. كان الياس سركيس حريصاً على سمعته وصحة لبنان. جاء من بيت فقير، مستقيم، وحافظ على جميع القيم التي حملها. كان طالب حقوق يعيش في غرفة صغيرة يعلو جدرانها العشب. وعندما انتقل إلى القصر الجمهوري نظر إلى القصر كما كان ينظر إلى الغرفة المعشبة: مجرد مكان عابر، لا يملك فيه شيئاً. انه ملك البلد والناس والتاريخ.

أنا حزين بكل صدق، لما يحدث للرئيس إميل لحود في القصر الجمهوري اليوم. ولست أناقض نفسي إطلاقا، يوم أكتب مطالباً بتنحي الرئيس ويوم أدعي الحزن. لقد كنت أتمنى على الرئيس لحود أن يوفر على نفسه وعلى بلده وعلى شعبه، هذا المشهد المأساوي. رئيس قابع في القصر لا يزوره أحد ولا يطالب ببقائه أحد. حلفاؤه وخصومه رفعوا عنه الحماية. والعرائض النيابية تعلن أن النواب مددوا له بالإكراه والتهديد، وبالتالي فإن التمديد لاغ وغير شرعي. وكالعادة لم يعد أحد يذهب إلى القصر الجمهوري للسلام أو التحية، لأن هذه طبائع البشر وميزة اللبنانيين.

هل هناك شيء في الدنيا يستحق هذا؟ قصور الأرض ومال الأرض وسلطة الأرض وجاه الأرض، هل تستحق أن يتطلع رجل من النافذة فيرى مليون إنسان في الشارع يطالبون بذهابه؟ هل شيء في الأرض يستحق أن تستمع لجنة تحقيق دولية مرتين إلى رئيس الدولة، أو حتى إلى رجل عادي؟ هل في الأرض ما هو أغلى من السمعة؟

إنني حزين شديد الحزن، لأن الرئيس لحود ترك نفسه وتركنا نصل إلى هذا المشهد. كان يعرف تماماً موقف الناس من التمديد. وكان يدرك أن عهده لم يحقق شيئاً من الوعود التي أطلقها. وكان يعرف أن معظم العالم العربي والدول الكبرى لن تقبل بأن يخرق الدستور من أجله. وبالتالي فإن إصراره على البقاء كان تحدياً لجميع هؤلاء. لم يكن من الحكمة البقاء، ولا من حسن السليقة تحدي مشاعر الناس. لقد بنى حول نفسه سجناً بدل أن يعود إلى حريته. زاد في عدد الحرس الجمهوري. وزاد في الأسلاك المحيطة بالقصر. وازداد خوفه من الناس. وخفت مكانته في التاريخ. وجلس وحيداً يرد ببيانات يومية على موجات النقد التي هبت عليه مع رياح العزلة. لماذا القصور إذا لم تكن مشرعة الأبواب. ولماذا الدور إذا لم تمتلئ بالمحبين. ولماذا سنوات إضافية إذا كان ثمن كل سنة دهراً؟