معاريف شلومو غازيت (رئيس شعبة الاستخبارات في الجيش الاسرائيلي سابقاً)

فوز حماس في الانتخابات وإقامة برلمان وحكومة لحماس ـ وكل هذا على خلفية تأجج غرائز المعركة الانتخابية عندنا ـ توجب على جميع الأحزاب اتخاذ موقف، والتصريح بتصريحات، وتلزم حكومة اسرائيل (وكلها ساسة متنافسون) أن تتخذ قرارات. هذا الواقع المربك يدفع أناساً متزنين وحكماء بشكل عام، إلى أن ينطقوا بغير قليل من الهراء. أعترف أنني أجد صعوبة في أن أفهم السياسيين. هل يؤمنون حقاً بالنظرية المنظمة التي يحاولون بيعنا إياها؟ أم يفترضون أن الجمهور العريض، غير المتخصص وغير الخبير، يقتنع بمسرحية مزاعمهم؟ أولاً، اسرائيل لا تسهم ولو بقرش صدئ واحد من ميزانيتها للسلطة الفلسطينية. منذ اتفاقات أوسلو وباريس، تقرر أن اسرائيل تجبي الضرائب والضريبة الجمركية لصالح الفلسطينيين، وأنه يجب عليها تحويل هذه الأموال إلى أصحابها. المبالغ المُتحدث عنها ليست صغيرة. على العكس، هذه الجباية تشكل تقريباً كل الدخل الذاتي الذي للسلطة الفلسطينية من الضرائب والضريبة الجمركية على سكانها. بيد أنني لا أعلم هل يجوز لحكومة اسرائيل ألا تحوِّل هذه الأموال إلى غايتها. الأمر يتعلق بما يشبه "إنامة أجرة"، وسيضطر قرار الحكومة في هذا الشأن إلى الخضوع لامتحان قضائي. ثانياً. إجمالي كمية المال الذي سيصل إلى الفلسطينيين ليس قابلاً للتوجيه من الخارج؛ لا إمكانية للسيطرة وللتحكم من الخارج بالجهات والأجهزة الفلسطينية التي ستتمتع بالدعم، وتلك التي ستجف لانعدام التمويل. تحاول حكومة اسرائيل اليوم تربيع الدائرة. يحاول أناس حكماء بشكل عام الفصل والتفريق بين حاجات الشعب الفلسطيني، كل تلك الخدمات الانسانية التي لا يريدون وقفها ـ مثل الخدمة التربوية والصحية ـ وبين تمويل الجهاز الاداري والأمني الفلسطيني، كل تلك الجهات التي تهددنا بالارهاب. إن من يُجهد نفسه ويحاول البحث عن حل في هذا الاتجاه يتجاهل القاعدة الأساسية؛ أنه لا يوجد للمال لون، لا يمكن تلوين المال وتوجيهه لهذا الهدف أو ذاك، من غير أن يكون لذلك أثر واسع عام في الموازنة الوطنية الفلسطينية. إن ما سيقرر في نهاية الحساب هو حاصل "الكعكة المالية ـ الموازناتية" التي ستكون في تصرف الفلسطينيين. لنفترض أنه ستكون لدينا قدرة على جعل تحويل الأموال لأهداف انسانية فقط في غاية الفوائد، وأن هذا المال سيصل إلى غايته. في اللحظة التي يتم فيها هذا الأمر، سيتحرر نصيب من الموازنة بنفس القدر حقاً من حاجات حاصل النفقة لموازنة الحكومة الفلسطينية. لنفترض اننا سنحول أموالاً لجهاز التعليم فقط ـ أليس هذا هدفاً مناسباً بحسب جميع الآراء؟ ـ غير أنه بهذه الطريقة سنحرر الحكومة الفلسطينية من الحاجة إلى توجيه الأموال لهذا الهدف. في نهاية المطاف، اذا ما تصرفنا بهذه الطريقة، وإذا أقنعنا سائر الدول المانحة بأن تتصرف بنفس الطريقة، فستنشأ قسمة مثيرة للاهتمام. فالجهات الخارجية ستمول جميع الاحتياجات المدنية ـ الإدارية للكيان الفلسطيني، أما حكومة حماس، بنفقتها المحدودة، فستستطيع أن تُخصص النفقة كلها لتمويل جهازها الأمني كله.