قبل أن تتكبد الآنسة كوندوليزا رايس عناء التجوال في منطقتنا, اطَّلعنا على عزم وزارتها تقديم خمسة ملايين دولار لتمويل نشاط المعارضة السورية!! حسناً, الشكر الجزيل للأيادي السود على الديمقراطية الحمراء الملوثة بالدماء التي انتشرت كالنار في هشيم الطائفية, مشعلة فتنة الاعتداء على الأمكنة المقدسة في العراق, كأسوإ وأنجح ما تستهل به كوندي الساحرة حلولها في ديارنا التي أصبحت بجهودها عامرة بالشقاق والنفاق. شكراً لجهودها الجبارة في تشجيع صناديق الانتخابات والنكوث عن نتائجها والضغط بثقل بلادها وحيوية بلادتها الشخصية على مصر والسعودية لخنق حماس المنتخبة؛ وأيضاً المحاولة الخبيثة للانتقام من وطنية المعارضة السورية, لرفضها السياسة الأميركية قبل احتلال العراق وتدميره, ولغاية الآن, مفضلة بؤس العمل السياسي الشريف, على ترف التعاون المذل مع قوى عاتية وغاشمة. الانتقام ورسائل أخرى حملها الإعلان الوقح لبذل مبلغ سخيف, يراد منها تأكيد قدرة أميركا على خلق معارضة مطابقة للمواصفات البوشية الكاملة, طالما أن المعارضة السورية ترفض وضع طموحاتها وأحلامها في خدمة سياسة تأبى إلا أن تكشف عن وجهها المشين.

يكاد المرء يشك في نفسه, قبل أن يشك في إدارة تجاوز ذكاؤها المفرط حده حتى انقلب إلى ضده, وكأنهم لم يدركوا بعد أن الثقة والشرعية التي يمنحها الشارع العربي وليس السوري فقط, لأي طرف سياسي سواء كان معارضة أو سلطة يشترط أن تكون ممهورة بمناهضة الاحتلال بكل أشكاله, فما بالنا بمعارضة ترضع من حليب المستعمر؟ ترى هل تشكيل مثل هكذا معارضة مأجورة سلفاً, لنسف المعارضة الحالية, ستكون صالحة لتنشط في الداخل؟ وهل يعقل أن لا يكون صاحب فكرة الدولارات يعلم؟! أمر يدعو للتعجب إلا إذا كان المقصود التبليغ أن الفعل للدولار, وما الوطنية سوى ترهات. هذه الرسالة, لم تقصرعلى أطياف من المعارضة السورية في الرد عليها فوراً ببيانات وتصريحات رافضة الدعم الخارجي أياً كان, لكن يبقى رد إضافي لا بد منه, نستقيه من قصة حدثت في الثلاثينيات أيام الانتداب الفرنسي على سوريا, ونتمنى على من يجيد الترجمة في الشرق أو الغرب, توصيلها ساخنة أو باردة الى الآنسة كوندي وإدارتها خالية من التحيات.

ملخص القصة كما رواها الأديب الكبير عبد السلام العجيلي عن شيخ مؤذن في جامع يقع في طريق حي الشاغور, دخل ضحى أحد الأيام على نجيب الريس رئيس تحرير جريدة «القبس» وصاحبها, ليروي له ما حدث معه فجراً, حين كان في أعلى منارته يؤذن لصلاة الصبح, رأى دونه على الرصيف مجموعة من الجنود الفرنسيين يحيطون بواحد منهم, كان يرفع رأسه إليه ويصرخ بأعلى صوته بكلمات أجنبية وعربية مكسرة, بالسباب والشتائم, وتوعده بألفاظ مقذعة إن لم يتوقف عن رفع صوته عالياً, بينما رفاقه يقهقهون ويدفعونه ليتابع سيره. بعد أن أتم المؤذن أذانه, نزل إلى الشارع وعلم ممن جمعهم الصراخ أنهم ثلة من الضباط السكارى الفرنسيين آتين من دار للبغاء على هامش المدينة, وصاحب الشتائم ضابط عسكري معروف برتبة كابتن. انتهز نجيب الريس الذي عرف بافتتاحياته النارية, الفرصة لشن غارة شعواء على الانتداب وعلى عسكرييه أمثال الكابتن الذي ذكره بالاسم, الذين يخرجون من دور الفسق سكارى فيتعرضون للناس الآمنين بالسباب البذيء. أحدثت الافتتاحية ضجة كبيرة دفعت سلطة الانتداب فوراً إلى وقف الجريدة, وتقديم صاحبها إلى المحكمة العسكرية بتهمة المساس بما لا يمس, أي شرف جيش فرنسا. كانت فرصة للقضاء على صحفي عنيد, كانت جريدته شوكة حادة في جنب السلطة الفرنسية.

لم يصعب على سلطة الانتداب الوصول الى الشيخ المؤذن وإجباره على إنكار ما وقع له. فاستبد القلق برجالات الكتلة الوطنية الذين رأوا في إسكات «القبس» وصاحبها ضربة قاصمة, فاستدعى شكري القوتلي شباب الكتلة الوطنية, وشرح لهم خطورة الموقف وضرورة البحث عن شهود يثبتون الواقعة, أو شاهد يكذب أدلة المحكمة العسكرية في تزكية أخلاق الضابط. تفتق ذهن أحدهم عن فكرة رفض الإفصاح عنها, وطلب من رفيقين له الذهاب معه الى إحدى دور البغاء التي لا بد من أن يكون الضابط قد ارتادها. عثر الشبان على صاحبة البيت وطلبوا معونتها بعد إخبارها القصة كاملة, ومغبة الحكم على نجيب الريس, وانعكاسه على الحركة الوطنية, فطلبت من إحدى بنات الدار الذهاب معهم الى المحكمة والإدلاء بشهادتها حول الضابط الفرنسي. في المحكمة بعد مرافعة طويلة عريضة تغنى فيها النائب العام بأخلاق الضابط الحميدة, جاء دور المومس التي حضرت بوجهها الملطخ بالأصبغة تفرقع بعلكتها, لتفاجئ الجميع بمن فيهم الشباب الذين احضروها, حيث أسهبت ومن دون أدنى خجل أو حياء في ذكر تفاصيل فاضحة للتدليل على عمق معرفتها بالكابتن, فضجت القاعة بالضحك والسخرية, وقلبت الطاولة على رأس المحكمة التي حكمت بتبرئة نجيب الريس.

في اليوم التالي استدعى شكري القوتلي الشبان وشكرهم ثم أعطاهم فشكة ليرات ­ أربعون ليرة عثمانية ذهبية ملفوفة بورقة على شكل اسطوانة, وهي في ذلك الوقت ثروة ­ وطلب منهم منحها للشاهدة مع الامتنان. المفاجأة الثانية كانت عندما فكت تلك المرأة اسطوانة الليرات فتبعثرت على الطاولة, فراحت تدفعها باشمئزاز وتقزز وهي تقول: كثر الله خيركم, خذوا ليراتكم, هل تظنون أن ما من أحد يحب الوطن إلا أنتم. انتهت القصة, التي نتمنى لو أن كوندي وإدارتها تسمع بها, كي تخيط بغير هذه المسلة, لأن فيها عبرة €بما أننا في زمن العبر€ تقول, بأن الوطنية ليست حكراً على السلطة ولا المعارضة, وإنما هي فعل نبيل مشاع لأفراد الشعب قاطبة, مهما كانت منزلته الاجتماعية وكل من يسقط من الحسابات السياسية. فيا كوندي, حتى الذين تضطرهم الحياة لبيع ما لا يباع, لا يراهنون على الوطن, فهو القيمة التي لا تباع ولا تشرى.