لا يُحكم لبنان من دمشق ولا يُحكم لبنان ضدّ دمشق. هذه المعادلة التي طرحها الرئيس الشهيد رفيق الحريري. هل هي فعلاً ما قتل رفيق الحريري كما قال نائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدام؟ إذا صحّ ما قاله السيد خدام فهذا يفترض احتمالين: ان هناك من لا يقبل ان يحكم لبنان الا من دمشق، وبالتالي أقدم على قتل الرئيس الحريري لأجل ذلك. إن هناك من لا يقبل ان يحكم لبنان إلا ضد دمشق، وبالتالي أقدم على قتل الرئيس الحريري لأجل ذلك. كلا الاحتمالين قائم وإلغاء اي منهما لا يصحّ من دون دليل واضح وقاطع. خاصة ان مجرى الامور وتطور الأحداث بعد اغتيال الرئيس الحريري يشير الى ان الامورت سارت باتجاه معادلة لبنان ضد دمشق. هل هذه المعادلة الحريرية مستحيلة في لبنان، بمعنى إما ان يحكم لبنان من دمشق، كما كان عليه الحال، واما ان يُحكم لبنان ضد دمشق كما هو عليه الحال حالياً. لا مكان لمعادلة ثالثة وبالتالي لا مكان للرئيس الحريري.

السؤال مَن المسؤول عن واقع العلاقات اللبنانية السورية. وهل هناك قراءة موضوعية لهذه العلاقات ترى الايجابيات والسلبيات على حد سواء ام اننا في أحيان كثيرة لا نرى الا الايجابيات مقابل قراءة اخرى لا ترى الا السلبيات؟ هل تكمن المشكلة في دمشق كما يرى البعض باعتبارها غير مستعدة للقبول والاعتراف باستقلال لبنان كدولة ذات سيادة وهذا ما يدفعها لرفض ترسيم الحدود وتبادل السفارات ورفض منطق الندية في العلاقات بين البلدين والتعامل مع لبنان باعتباره شأناً داخلياً سورياً ولا تقبل إلا بممارسة دور الهيمنة الكاملة في العلاقة بين البلدين؟ اللبنانيون السياديون لا يجدون بداً من مواجهة الاطماع السورية وتبعاً لاختلال موازين القوى بين البلدين الجارين لا يمكن للبنان الا ان يعتمد على الدعم الخارجي لمواجهة السياسة السورية. والبعض تجاوز هذا الحد الى منطق أن لبنان لن يحمي نفسه الا بسياسة هجومية لإسقاط النظام في سوريا. والإتيان بنظام آخر منسجم مع السياسات الدولية يقرّ بسيادة لبنان واستقلاله متجاهلاً ان إشكالية اعتراف سوريا بلبنان ليست مرتبطة بالنظام السوري الحالي وان اي نظام بديل لن يكون بالضرورة أكثر حرصاً وحماساً لاستقلال لبنان وسيادته.

من النظام الراهن والشواهد التاريخية للعلاقة بين البلدين عديدة وكثيرة على العكس كان الرئيس حافظ الاسد الأجرأ في تكريس الاعتراف السوري الرسمي باستقلال لبنان وتوقيع اتفاقيات الاخوة والتعاون وتجاوزه الرئيس بشار الاسد بزيارة رسمية الى العاصمة اللبنانية طالما كان اللبنانيون يشككون في إمكانية حصولها من قبل رئيس سوري. هذا فضلاً عن تحوّل لبنان في مراحل عديدة الى ساحة للتآمر على سوريا كما يرى البعض وتحوله الى بوابة المؤامرات لكل أعداء سوريا سواء أكانوا من الشرق ام من الغرب وصولاً للعدو الاخطر اسرائيل، وان سوريا لا يمكن ان تقف مكتوفة الايدي حيال ذلك وان اللبنانيين لا يرفعون شعار السيادة والاستقلال الا في مقابل سوريا حصراً ولا يرفعونه حيال سائر التدخلات الخارجية التي يستدعونها الواحد تلو الآخر، تبعاً لحساباتهم الطائفية الضيقة. وها هي إسرائيل تحتل جزءاً من ارضهم وتنتهك يوميا السيادة اللبنانية دون ان تثير فيهم الحمية الوطنية فضلاً عن حراك السفراء الاجانب لا سيما السفيرين الاميركي والفرنسي والذي لا مثيل له في اي من بلاد العالم. مثل هذا النقاش يتكرر كثيراً بين اللبنانيين والسوريين والمشكلة أنه كثيراً ما يتمّ الخلط وتحديداً في لبنان بين ما هو تكتيكي وما هو استراتيجي، بين ما هو شخصي او طائفي، وما هو وطني وتلك هي الكارثة.

لسوريا بإجماع تام أخطاء وخطايا في لبنان تجب مراجعتها، والوقوف عندها ومحاسبة المسؤولين عنها، اذا امكن ذلك، وهي باتفاق الجميع ايضا أخطاء وخطايا سورية لبنانية مشتركة. السؤال: هل يمكن لهذه الخطايا، على فداحتها، ان تحول دون رؤية الأبعاد والخيارات الاستراتيجية التي حكمت العلاقة بين البلدين ما بعد اتفاق الطائف والإنجازات التي تحققت بفعل هذا الرابط الاستراتيجي بين البلدين؟ هل يتسع صدر البعض في لبنان لذكر عدد من الإنجازات الاستراتيجية الكبرى التي تحققت في لبنان بفعل هذه العلاقة: إنهاء الحرب الأهلية اللبنانية، والتي ما كانت لتنتهي لولا الدعم السوري العلاقة اللبنانية السورية.

إعادة توحيد الدولة بكافة مؤسساتها الرسمية السياسية والاقتصادية والأمنية، وفي مقدّمها الجيش اللبناني وسائر المؤسسات الأمنية الأخرى التي هي عماد أي كيان سياسي مستقل؛ وهذا الإنجاز ما كان ليتمّ لولا الدعم السوري والعلاقة اللبنانية السورية. دعم المقاومة وتحرير القسم الاكبر من الاراضي اللبنانية المحتلة، وهذا الإنجاز الكبير ما كان ليتمّ لولا الدعم السوري والعلاقة اللبنانية السورية. إن لمقولة لبنان لا يُحكم ضد دمشق مترتبات وتبعات وترجمة سياسية وأمنية وإعلامية لا يبدو أن القيمين على شؤون الدولة والسياسة في لبنان، لا سيما جماعة 14 آذار، حريصون عليها. هذا لو تجاوزنا ان مسؤولية الأخطاء كانت لبنانية سورية مشتركة، وان من شارك في الحكم خلال عهد الوصاية لم يكن مجرد دمية او اداة لا كلمة له ولا رأي. لقد بادلت مجموعة 14 آذار الخروج السوري من لبنان بحملة رهيبة من العداء والاستعداء تحوّل مباشرة من التحالف الاستراتيجي إلى العداء الاستراتيجي فأضحت بيروت قاعدة انطلاق اميركية اساسية ضد دمشق وأضحت بيروت قاعدة كل دعوات التغيير في سوريا، وهذا امر خطير لا يمكن تبريره ببساطة بمنطق الحرية الاعلامية والسياسية في لبنان.

لقد أثبت رموز 14 آذار أن مقولة الرئيس الحريري غير ممكنة، وان المستفيد من اغتياله دعاة حكم لبنان ضد دمشق رداً على مقولة حكم لبنان من دمشق. لقد فوّتوا على لبنان حتى هذه اللحظة فرصة تاريخية لتطبيق معادلة الرئيس رفيق الحريري وبدلاً من الاستفادة من هذه اللحظة التي تمثلت بخروج القوات السورية من لبنان بسياسة امتصاص الغضب وطمأنة سوريا كانت الحملة تتصاعد والعواطف تلتهب وكأننا أصبحنا على ابواب دمشق ندقّها فاتحين. قد تكون الفرصة لا تزال متاحة للمراجعة وهي مسؤولية لبنانية بنسبة 90% باعتبار ان لبنان هو صاحب المصلحة الأكبر باعتبار أن لبنان تخلّص من وطأة الوجود العسكري السوري المباشر. قد لا تكون سوريا بريئة من كل الجرائم التي تتهم بها في لبنان، لكن لماذا لا ننتظر حتى نمتلك الدليل؟ ولماذا لا نمتلك بعض الحكمة في إدارة شؤون الدولة ورعاية مصالحها العليا وأمنها الوطني والقومي؟ ليكن فينا من هو بمستوى رجال الدولة وليس زعماء القبائل والعشائر والطوائف وطلاب المناصب والمواقع. ولنعمل، خصوصاً ورثة الرئيس رفيق الحريري على إثبات أن معادلته قابلة للحياة رداً على من أراد بقتله قتلها.