رغم التباين في النظرة الى الاوضاع في كل من لبنان وسوريا، واستطرادا المنطقة، بين المجتمع الدولي بزعامة الولايات المتحدة والمجتمع العربي بقيادة مصر والمملكة العربية السعودية، وتاليا الى الحلول اللازمة لكل مشكلاتهما، فان الاتصال والتشاور بينهما لم ينقطع يوما. الا ان ذلك لم يصل حتى الآن على الاقل الى نظرة مشتركة وتاليا الى حلول. وابرز مثال على ذلك هو سوريا. فالمجتمع الدولي يتبنى موقفا سلبيا وقاسيا حيالها بسبب سياساتها اللبنانية والعراقية والفلسطينية، ويطالب المجتمع العربي بالعمل معه لتغيير هذه السياسات او لتعديلها بالطرق المناسبة.

لكن المجتمع العربي لا يبدي التجاوب المطلوب رغم اقتناعه من حيث المبدأ بان السياسات السورية المشار اليها اما غير مجدية او مؤذية، سواء لسوريا ونظامها او للمنطقة، وبان المصلحة العامة في المنطقة بكل دولها تقتضي ادخال بعض التغيير عليها. وقد عطل الموقف العربي هذا، او بالاحرى عرقل الاستراتيجيا الاميركية من جهة، كما عطل او عرقل، من جهة اخرى، ايجاد حلول لعدد من المشكلات الاقليمية، وتوفير الاستقرار في اكثر من دولة عربية في مقدمها لبنان. وعندما يَسأل المجتمع الدولي، او قادة بارزون له، المجتمع العربي او قادة بارزين له عن السبب في ذلك، أي في مراعاة سوريا وان على حساب المجتمع الدولي ومصالح حلفائهم واشقائهم، فانهم يسمعون جوابا يتكرر في استمرار هو الآتي: "لا نريد ان نجعل من سوريا ايرانية، اي لا نريد ان ندفعها لتصبح دولة تابعة للجمهورية الاسلامية الايرانية او تدور في فلكها". ويعكس هذا الجواب قلقاً للبنان من هذا المجتمع العربي، او من غالبيته على الأقل، من ايران الاسلامية وخوفاً من سياساتها وتالياً قدراتها المتنوعة على الاضرار به في شكل أو في آخر.

الا ان هذا الجواب يثير تساؤلاً مهماً عند السائلين الدوليين وهو:

"ألم تصبح سوريا ايرانية بعد؟ واذا كانت لم تصبح كذلك، فانها على الطريق لأن تصير ايرانية". وربما يصبح وضعها مستقبلاً بالنسبة الى الجمهورية الاسلامية الايرانية اذا لم يتغير شيء مثل الوضع الذي كان عليه لبنان بالنسبة الى سوريا منذ عام 1990 وحتى خروج القوات السورية منه في 26 نيسان الماضي (2005).

لماذا يراعي العرب سوريا؟

هذا السؤال يطرحه المجتمع الدولي في استمرار على نفسه، وعلى كثيرين من الحلفاء العرب وبطريقة تشير في وضوح الى عدم اقتناعه بالمبرر الايراني المفصل أعلاه، رغم ادراكه الدور وتالياً الخطر الذي يمكن ان ترتبه ايران على المجتمع العربي في حال سادت بينها وبينه حال من العداء. طبعاً يتلقى المجتمع المذكور أجوبة كثيرة عن سؤاله هذا، بعضها يلقي شيئاً من الضوء على العلاقات الفعلية السورية - العربية في المراحل الماضية، وأبرز هذه الاجوبة هو ان المجتمع العربي بدوله الاساسية الكبرى كان حريصاً على علاقة جيدة مع سوريا، لا حباً بها ولا حرصاً عليها ولا اقتناعاً بسياساتها الداخلية والاقليمية والدولية، بل لأنه كان يريد ان يتفادى ما يمكن ان تسببه له من مشكلات. وهي كانت قادرة على ذلك بسبب علاقاتها مع الجهات التي كان المجتمع الدولي يصفها بالارهابية في النصف الثاني من القرن العشرين، وخصوصاً قبل انهيار الاتحاد السوفياتي رسمياً عام 1989 والتي كانت ترفع شعارين متلازمين: الاول تحرير فلسطين من مغتصبيها اليهود الذين اسسوا دولة اسرائيل على جزء منها عام 1948 ثم استكملوا السيطرة عليها عام 1967. والثاني احداث تغيير جذري في الانظمة الرجعية واليمينية والمحافظة واقامة انظمة اشتراكية مكانها. هذه العلاقات التي كانت تسمح لسوريا عندما تشعر بانها تتعرض للضغط عربياً او حتى دولياً "بتنبيه" دول عربية معينة الى اخطار محددة تشعر بها واحيانا ببذل مساع مع الجهات التي قد تكون مؤثرة لـ"كف شرها" عن هذه الدول. وتبدو سوريا اليوم اكثر قدرة على ممارسة الدور المذكور أو بالأحرى على متابعته، رغم تغيير اسم الجهات التي كانت تعتبر ارهابية ولا سيما بعدما توثّقت علاقتها على نحو غير مسبوق مع ايران الاسلامية وبعد الدور الذي يتهمها الاميركيون بالقيام به في العراق.

هل الجواب المفصل اعلاه صحيح وينطبق على الواقع؟ وهل هناك اجوبة اخرى عن سؤال "لماذا يراعي العرب سوريا رغم المشكلات التي تتسبب بها؟".

متابعو العلاقة السورية – العربية على مدى عقود يعتقدون ان في الجواب المذكور شيئاً من الصحة، لكنهم يقولون ان هناك اجوبة اخرى مهمة بدورها لا بد من أخذها في الاعتبار، ابرزها رفض المجتمع العربي تحول سوريا عراقاً ثانياً اي دولة مشرعة على الفوضى والعنف والتفكك والحروب الاهلية الطائفية والاثنية والمذهبية نظراً الى ما لذلك من انعكاسات بالغة الصعوبة، بل تدميرية، على العالم العربي كله. علماً ان هذا المجتمع لا يعرف حتى الآن، كيف يعيد الاستقرار الى العراق وكيف يتلافى آثار الفوضى والعنف المنتشرين فيه. وعلماً ايضاً انه يتعرض الآن وخصوصاً في القسم الخليجي منه، الى اخطار عدة بسبب الاوضاع في العراق. وهذه الاخطار قد يفاقمها تثبيت التحالف بين سوريا وايران الذي تم اخيراً.

هل يقنع هذا النوع من الاجوبة المجتمع الدولي وقادته البارزين؟

لا يستطيع هذا المجتمع تجاهل الاجوبة المشار اليها. لكنه، ومن المنطلق نفسه، يسأل: لماذا يهتم المجتمع العربي للاستقرار في سوريا ويتغاضى عن الاستقرار في لبنان؟ ولماذا لا يسعى بجد لتوفير الاستقرار في هذين البلدين الشقيقين في آن واحد؟ ولماذا يجب ان يكون استقرار سوريا على حساب استقرار لبنان؟ وهل ذلك ممكن؟