في لبنان وفي العراق يجمعون على ان الحوار والتفاهم هما السبيل الوحيد للخروج من الازمة القائمة بين الاطراف الداخلية. هكذا يصرحون علناً، اما لدى التطبيق العملي لهذه التصريحات، فالامر مختلف، مما يذكر بالمثل المصري المعروف »اسمع كلامك يعجبني اشوف عمايلك اتعجب«!!، وللانصاف والتاريخ فإن هذا التناقض بين الاقوال والافعال، لا يمكن تعميمه على جميع الاحزاب والحركات والجماعات القائمة. هناك اطراف صادقة وجادة وحريصة على التلاقي والحوار والتفاهم، غير ان ثمة، بالمقابل، هناك اطراف وجهات لا ترى في محاولات التهدئة والحوار، الا مضيعة للوقت او وسيلة للضغط على الطرف الاقوى المستفيد من صورة الوضع الراهنة!! والملاحظ هنا، ان من ميزات هذا الطرف المعارض لنهج التهدئة والحوار الجدي ميزات ثلاث: * الاولى... الغاء الآخر. * والثانية... الاستقواء بالخارج! * والثالثة... شدة التركيز على مبدأ الاكثريات والاقليات. يتذرعون بأنهم.. اكثرية، فيما خصومهم السياسيون اقلية ولهذا... فإن من »حقهم« الدستوري »!« ان ينصبوا انفسهم واحزابهم ورموزهم، قادة وزعماء للبلاد والعباد.

هؤلاء ينسون... ان مبدأ المواطنة المستمد والمستند الى وحدة الشعب والوطن، لا يعرف اكثريات واقليات حتى عندما تكون مثل هذه الاكثريات، وهمية او... متغيرة غير ثابتة او نابعة من معايير التفتيت المذهبي او... العرقي او.. العشائري والقبائلي!! في العراق يقولون انهم 130 نائباً في المجلس الوطني، وهم انما يقصدون ان للأحزاب الشيعية قوتها الغالبة! اما في لبنان فيزعمون انهم في المجلس النيابي 71 نائباً، وهم جماعة الحريري وجنبلاط وجعجع!! قبل نحو شهرين انعقد في القاهرة مؤتمر للمصالحة والتفاهم بين الاطراف العراقية، واصدروا بياناً لم يخل من لمحات ايجابية وافكار واقتراحات معقولة. وجرى الاتفاق على عقد المؤتمر الثاني في نهاية كانون الثاني او شباط. ومر الشهران دون ان تلوح اي بادرة لعقد هذا المؤتمر المنتظر!! بل ان ما جرى على الارض، خلال هذين الشهرين، جاء مغايراً لكل المقترحات والوصايا التي اتفق عليها في القاهرة!!

وفي لبنان... يفترض ان ينعقد غداً في المجلس النيابي مؤتمر او ندوة يشترك فيها حول طاولة مستديرة، ممثلو الكتل النيابية، فضلاً عن بعض المستقلين ذوي المكانة في طوائفهم! تحالف الحريري وجنبلاط وجعجع، المدعوم من اميركا وفرنسا وبريطانيا، علناً جهاراً نهاراً، وجد ان افضل وسيلة لافشال المؤتمر، هي... المطالبة بتنحية رئيس الجمهورية العماد لحود، بحجة انه »... رأس النظام الامني السوري اللبناني« الذي أُطيح به، بعد اغتيال الحريري الاب. بالطرف المقابل... يقف نبيه بري »حركة امل« والسيد حسن نصر الله »حزب الله« والعماد ميشال عون »التيار الوطني الحر«، اضافة الى سليم الحص وعمر كرامي وسليمان فرنجية وطلال ارسلان ونجاح واكيم والاحزاب القومي والشيوعي والبعث، هؤلاء... ليسوا ضد ان المطالبة بتنحية الرئيس من قبل الاكثرية النيابية، انما يشترطون ان تكون المطالبة دستورية قانونية لا تقوم حيثياتها على المزاجية او التعسف او.. بناء على ايحاءات او توصيات خارجية، لم يحاول اي من وزراء خارجية فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة، اخفاءها واخفاء التأكيد على اهميتها وضرورتها بالنسبة لمخططاتهم ونياتهم ليس حيال لبنان »الحر.. السيد.. المستئل« فحسب، وانما حيال المنطقة العربية كلها!!

واللافت الطريف لدى جماعة الاكثرية اللبنانية، ان احداً منهم لم يخطر في باله الرد على السؤال المدوي الذي طرحه ويطرحه كل من العماد عون والسيد حسن نصر الله، حول عشرات المليارات التي استدانها لبنان وبلغت نحو اربعين، اين ذهبت... وكيف تمّ صرفها... ولأي اغراض... ومن الذي لهفها؟!! ان مأساة اللبنانيين، انهم لم يعرفوا، حتى الآن، كيف اصبحوا بهذا الحال الفظيع الشنيع من الفقر والبطالة والجوع، مع ان قادة ورموز الاكثرية اليوم، هم الذين كانوا انفسهم مولجين بادارة شؤونهم واوضاعهم طوال فترة الخمسة عشر عاماً التي تم فيها استدانة المليارات الاربعين؟!! والسؤال الآن هو: لماذا الدهشة... ولماذا الغرابة في ان يكون الصوت على قدّ الوجع؟!! لماذا كل ما دعا المخلصون والغيارى وطالبوا بفتح ملفات الفساد، ارتفع الصوت واشتدت الزعبرة وجرى التذرع بحرية لبنان وسيادته واستئلاله؟!!