ليس غريباً أن تنشغل الصحف بأخبار الحراك الداخلي في الحركة الإسلامية الإخوانية بشقيها (الحزب والجماعة)، وآخرها إعلان المراقب العام عدم الترشح للمنصب مرة أخرى، فالحركة هي الأهم على الساحة المحلية، لكن ذلك شيء وتبني نهج النميمة في العمل الصحفي شيء آخر. على هذا الصعيد تبرز مصطلحات الصقور والحمائم والوسط والتيار الرابع وجميعها من ابتكار الصحافة، ولا يستبعد أن يصار لاحقاً إلى اعتماد تصنيفات جديدة من اللون الغربي والقاموس اليساري، مثل يمين ويسار، ثم يسار الوسط ويمين الوسط وهكذا.

لو تتبعنا سيرة الحركة الإسلامية منذ أوائل الثمانيات، أي منذ بروزها كقوة سياسية وشعبية، فلن نعثر على أية مصداقية تذكر لتلك التصنيفات، اللهم إلا إذا تعلق الأمر بالآراء السياسية والشرعية لهذا الشخص أو ذاك، والتي لا تغير في البرنامج المطبق على الأرض، وهو برنامج تحدده معطيات موضوعية كما هو حال الشأن السياسي دائماً، أكثر مما تحدده آراء فقهية يتوفر ما يخالفها في المنظومة الشرعية، كما هو حال الموقف من المشاركة السياسية، حكومية كانت أم برلمانية. بحسب التصنيف إياه، كان المكتب التنفيذي الذي شارك في حكومة بدران، بعد انتخابات 89 مكتباً ’’صقورياً’’، أما المكتب الذي قاطع الانتخابات البرلمانية عام 97 فكان وسطياً، فيما لم يعرف في تاريخ الجماعة أن أحداً قد فكر في إعلان الخروج المسلح أو تحدي القوانين السائدة بوسائل عنيفة، رغم أن فترات كثيرة قد شهدت ضغوطاً متفاوتة المستوى على الجماعة، فيما بدأت عملية التحجيم على الأرض بعد عام 86 ولم تتوقف فصولاً إلى الآن، وهي تتم بوسائل مختلفة يعرفها المراقبون، الأمر الذي يبدو طبيعياً في أي حال، لأنه ما من حكومة تتصدق على معارضيها بالدعم، وحصتهم من الكعكة السياسية الشعبية، إنما تتوفر بقوة حضورهم ومصداقية خطابهم وانحيازهم إلى هموم الناس.

نعود إلى حديث الانتخابات، وهنا نقول انه ما من حزب أو جماعة سياسية أو غير سياسية في العالم العربي، تطبق الشورى الداخلية كما تفعل جماعة الإخوان هنا في الأردن، ولا نبالغ إذا قلنا ان ثمة تخمة (نعم تخمة) في الوجبات الديمقراطية في الجماعة. وهي وجبات تبدأ بأمير المنطقة وأعضاء الهيئة الإدارية في الشعبة، وصولاً إلى أعضاء مجلس الشورى، ثم المكتب التنفيذي والمراقب العام والعديد من المواقع الأخرى التي يتم اختيار من يشغلها بالانتخاب. من هنا تنفك أسرار الحراك الدائم في المواقع القيادية، فحين تتم الانتخابات في بعض المواقع كل عامين، وفي أخرى كل أربع سنوات، فإن من الطبيعي أن يتم التغيير، لا سيما أن من يشتغلون في العمل العام، غالباً ما يتغيرون ويترهلون فيكون اللجوء إلى سواهم أمراً طبيعياً، كما أن عامل الزمن غالباً ما يدخل إلى الميدان قيادات جديدة تبدو أكثر إقناعاً للقواعد، فضلاً عن أن التقييم الأولي للأشخاص قد لا يكون دقيقاً، بسبب اعتماده على عناصر غير معبرة عن طبيعة الشخص وقدراته القيادية.

أما الأهم فهو أن حب التغيير يبقى كامناً عند الناس، بصرف النظر عن صوابه أو خطئه. لم يكن عبثاً أن تنحاز العقول الإنسانية بعد طول معاناة إلى معادلة التداول على السلطة، وفي القرآن الكريم نص واضح على الشورى في الأمر كله، وإذا رأى البعض أن في الديمقراطية منافذ كثيرة للفساد كما يحدث في الغرب، فإن فساد الدكتاتورية أكبر، كما أن مهمة العقل الإسلامي أن يهذب هذه اللعبة من كل ما يسيء إلى إفرازاتها. وقد آن لأولئك الذين يقولون ان الشورى معْلمة وليست ملْزمة، أن يعيدوا النظر في رأيهم ذاك، ليس لأنه يخالف النص الشرعي فحسب، بل لأنه يخالف العقل والمنطق أيضاً، مع أن الحجة ليست صعبة هنا وهناك