سبق للكاتب سلمان رشدي لدى استفحال أزمة كتابه <<آيات شيطانية>> أن نقل السجال من كون الكتاب يتعرّض أو لا يتعرّض للإسلام، إلى اعتبار أنّ ثمّة معركة قائمة بين قوى الخير والشرّ. فقد أعلن رشدي لصحيفة <<النيويورك ريفيو أوف بوكس>> العام 1989 أن <<خطوط المعركة قد رسمت في الهند: العلماني في مواجهة الديني، النور في مواجهة الظلمة. الأفضل أن تختار موقعك. أمّا وقد انتقلت المعركة إلى بريطانيا، فآمل ألا تكون خاسرة مسبقاً. حان الوقت بالنسبة إلينا كي نختار>>.

بعد مرور سبعة عشر عاماً، يعيد فليمينغ روز، المحرّر الثقافي لصحيفة <<جيلاندز بوستن>> الدانماركية، رسم المشهد نفسه. ففي مقالة نشرها مؤخّراً في <<الواشنطن بوست>> تحت عنوان <<لماذا نشرتُ تلك الرسوم الدانماركية>>، خلص روز إلى <<أنّنا لا نحتاج إلى خوض معركة التنوير مرّة أخرى في أوروبا>>. ويستعيد في هذا السياق عبارة كارل بوبر أن <<لا مكان للتسامح مع غير المتسامحين>>. إنّ أقصى ما يمكن القيام به هو الاعتذار عن إيذاء مشاعر بعض الناس، وقد فعلت الصحيفة ذلك، <<لكنّنا لا نستطيع أن نعتذر عن حقنا في نشر مواد قد تؤذي مشاعر البعض>>. ذلك أن <<فرض الرقابة بحجّة عدم الإساءة لعبة قديمة تقوم بها الحركات التوتاليتارية>>. أمّا الغرب فقد انتصر في الحرب الباردة <<لأنّنا دافعنا عن <<قيمنا الأساسية>> ولم نراعِ الطغاة التوتاليتاريين>>. إنّ إعطاء الأولوية لمعركة سياسية بين الخير والشر في كلّ مسألة تخصّ المسلمين في أوروبا، وذلك دفاعاً عن <<القيم الأساسية>> للحداثة الغربية، يحتاج الى بعض التأمّل. فعلى الرغم من تنوّع المسلمين في أوروبا، فإنّ مطالبهم تواجَه دائماً، على ما يلاحظ الانثروبولوجي طلال أسد، بردود فعل موحّدة يمكن الاستخلاص منها أنّ الأوروبيين لا يتحمّلون فكرة أنّ على دولتهم القيام بأي تغييرات مؤسسية مراعاة للوافدين المسلمين. فثمّة <<قيم أساسية>> لدى المسلمين الوافدين ليست جزءاً من الثقافة الغربية، وعلى الذين يريدون العيش الدائم في الغرب أن يتم استيعابهم من قبل الثقافة الغربية كونهم أقلية سياسية.

إنّ هذه الحجة تبدو ديموقراطية، لكنّ التسليم بها يطرح سؤالاً جوهرياً حول معنى السياسة. فقد سبق لأسد أن تساءل أثناء قضية رشدي أنّه إذا كانت <<القيم الأساسية>> هي القيم التاريخية للأكثرية البريطانية، فإنّ طلب عدم المسّ بها يمكن ترجمته على أنّه مجرّد حيلة بورجوازية للحفاظ على الهيمنة. ولو احتُرم هذا المبدأ دائماً، لما استطاعت المسائل العرقية أو الجندرية أن تجد سبيلاً لها إلى الحيّز السياسي. أضف إلى ذلك أنّ التسليم ب<<القيم الأساسية>> للأكثرية ليس قدراً للأقليات. فالأوروبيون حين ذهبوا إلى القارات الأخرى كمستوطنين أو عاملين أو مبشرين، لم يتأقلموا مع القيم الأساسية للأكثرية السكانية التي عاشوا وسطها. اليوم، يبدو تمسك المسلمين في أوروبا ب<<قيمهم الأساسية>> هو ما يحتاج إلى تفسير، وليس مواقف الأوروبيين من هذه القيم ورفض مراعاتها! يعترف فليمينغ روز بأنّ حرية التعبير لا تعني حرية نشر كلّ شيء، وأي شيء. لكنّه يدافع عن نشر الرسوم الكاريكاتورية لأنّه لمس رقابة ذاتية متزايدة من قبل الأوروبيين خوفاً من التعرّض لقضايا تتعلّق بالإسلام. ويعتقد روز أنه على الأوروبيين أن يواجهوا هذه القضية، وأن يحثّوا المسلمين المعتدلين على رفع أصواتهم.

ف<<المسلمون المعتدلون>> هم إذاً شركاء في المعركة، وذلك بسبب اعتقادهم <<أنّ إيمانهم لا يتعارض مع الديموقراطية العلمانية الحديثة>>. وهذا يعني، وفقاً لروز، أن <<السجال ليس بيننا وبينهم، بل بين الملتزمين بالديموقراطية في الدانمارك وغير الملتزمين بها>>. إن <<المسلمين المعتدلين>> ليسوا إلا الاسم الحركيّ للخيار الأوحد الذي تتيحه الدولة الحديثة. إمّا الاندماج الكلي أو الاختلاف المعرّض دائماً للازدراء أو لمصير أسوأ. إنّه الخيار الذي حمل، وفقاً لعدد من المفكرين، بذور العداء للسامية. لا يخفي روز وحدانية الخيار هذا عبر تناوله مسألة الرسوم من زاوية الدمج والإقصاء. فهو يدحض مقولة إنّ القيام بنشر الرسوم إنّما يساهم في إقصاء المسلمين عن المجتمعات الغربية التي يعيشون فيها. على العكس من ذلك، يساهم نشر هذه الرسوم في دمج المسلمين. فلدى الدانماركيين تراث من السخرية لدى التعاطي مع العائلة المالكة أو مع أديان أخرى. وعبر مساواة المسلمين في الدانمارك مع سواهم، إنّما يتمّ دمجهم في هذا التراث الساخر لأنّهم جزء من المجتمع الدانماركي، لا غرباء فيه.

لقد سبق لنيل سميث أن فضح كيف أنّ ادّعاء الليبرالية المساواة بين مواطنين متساوين، إنّما يكرّس الهيمنة داخل المجتمع، طالما أنّ المواطنين هم غير متساوين فعلاً، لا من حيث السلطة ولا من حيث القدرات المادية. غير أنّ روز تناسى أيضاً أنّ شعرة رفيعة تفصل بين السخرية والتحقير. فتصوير معتقدات الناس وعاداتهم كعيوب، كما يذكّرنا أسد، ليس في حدّ ذاته عملاً فنياً ساخراً. على الكاريكاتور الساخر أن يسخر من أمور تعتبر مدعاة للسخرية من قبل الجمهور الذي يتوجّه إليه الكاريكاتور. بالطبع، لا ينبغي أن يكون الرسام مؤمناً، لكن عليه أن يتمتّع بفهم دقيق للبنية الأخلاقية للناس الذين يسخر منهم. وإلا فإنّ رسومه تنحطّ لتصبح تحقيراً. فكيف إذا كان موضوع السخرية هو في صلب لحظة توتّر سياسي حاد؟ وكيف إذا كانت الهيمنة الغربية في صلب هذا التوتّر؟ وكيف إذا كان ازدراء المعتقدات أداة دائمة بيد امبريالية القرن التاسع عشر كتمهيد من أجل إتمام <<المهمة التمدينية>>؟ إنّ كلّ ذلك لا يسوّغ أعمال العنف التي قد يولّدها غضب المسلمين في أوروبا. لكن ينبغي علينا ألا نخلط بين الغضب من موقع المهيمِن والغضب من موقع المهيمَن عليه. فالجميع يعلم، كما سبق للكاتب الباكستاني البريطاني <<شبير أختار>> أن أطلق صرخته المرّة في ذروة تأزّم قضية سلمان رشدي، <<انّ غرف الغاز يوم تعود إلى أوروبا، فإنّ ما من أحد يشكّ في هويّة من سيكونون داخلها هذه المرّة>>.