انقضت الايام التي حظي خلالها مرشحون رواد في المعارك الانتخابية بتأييد شعبي واسع. ففي المرات السابقة ابدى الكثير من الناخبين ثقة كبيرة بقدرات مناحيم بيغن (1977 ـ 1981)، اسحاق رابين (1992)، بنيامين نتنياهو (1996) وايهود باراك (1999) لقيادة الدولة. وقبيل الانتخابات الحالية كان يبدو أن أرييل شارون بلغ مرتبة مماثلة في نظر الكثير من الناخبين. أما الآن، وبعد ان غادر شارون الحلبة السياسية، فان احدا من المرشحين لا يتمتع بهذا النوع من التأييد. ما الذي يحرك الناخب الاسرائيلي في هذه المعركة الانتخابية؟ فاذا كان تحركهم لا يتم بدافع من البرامج الشخصية لزعماء الاحزاب، فهل ان الايديولوجيا هي التي تحركهم؟ من الصعب افتراض ذلك. اذ لا يبدو انه ثمة فارق كبير بين الاحزاب الرائدة في القضايا الرئيسية المطروحة على جدول الاعمال. وفي اعقاب فوز حماس في انتخابات البرلمان الفلسطيني، يبدو ان جميع زعماء الاحزاب مرتبكون بالمقدار نفسه ازاء السؤال المتعلق بالطريقة التي يجب التصرف وفقها الآن. ما هو اذا مغزى الجواب الذي يقدمه الاسرائيليون في استطلاعات الرأي الدورية، والتي يطلب منهم فيها النطق باسم الحزب الذي سيصوتون له في حال جرت الانتخابات اليوم؟ من الواضح ان الامر يتعلق من ناحيتهم بانعدام الخيار ـ في ظل غياب بديل افضل. ومن دون حماسة او اعتقاد، نراهم يقولون انهم كانوا سيصوتون لصالح هذا الحزب او ذاك. هذا الامر يدل الى حد ما على قدرة التوقع لدى استطلاعات الرأي هذه. وعليه قد يكون هناك فجوة جوهرية بينها وبين النتائج الحقيقية. الموضوعان اللذان يكثر الحديث عنهما ـ على الرغم من انهما عملياً شعارات فارغة من المضمون ـ تركا، على ما يبدو، تأثيراً على نمط جواب الناخبين الاسرائيليين منذ الانسحاب الاحادي الجانب واقتلاع المستوطنات في غوش قطيف، جنوبي عسقلان وفي شمال الضفة. هذان الموضوعان هما فك الارتباط عن الفلسطينيين وضمان اغلبية يهودية ضمن حدود دولة اسرائيل. وفي نظرة اولية، يبدو هذان التصوران الواضحان حاسمين جدا في نظر اغلبية المواطنين اليهود في اسرائيل. وعليه، ضعوا الفلسطينيين ـ المسؤولين عن جولة الارهاب التي خيضت ضد الاسرائيليين في السنوات الاخيرة ـ خارج مدى الرؤية، وارسموا حدود الدولة، وان بشكل احادي الجانب، كي لا يدرج اولئك الفلسطينيين ضمنها. وباستثناء حزب الاتحاد القومي، الذي يماثل هذه الشعارات مع مسألة اقتلاع المستوطنات ـ فان الجميع تقريبا يدعون انهم يؤيدون هذه الشعارات بهذا القدر أو ذاك. كاديما، التي اثبت زعيمها السابق ارييل شارون انه لم يكتف بتأييد تلك الشعارات فحسب، بل كان مستعداً ايضا لتطبيقها من خلال اخلاء عشرات آلاف المواطنين الاسرائيليين من بيوتهم بالقوة ـ تتمتع بتفوق واضح مقارنة بالاحزاب الاخرى، على الرغم من ان ايهود أولمرت الذي ورث عباءة شارون لم يثبت بعد انه مصنوع من ذات المادة. وعلى ما يبدو، هذا هو سبب التفوق الجوهري لكاديما في استطلاعات الرأي، مقابل الاحزاب الاخرى التي تميل الى تأييد ذات الشعارات، ووفق المعايير ذاتها ـ هذا هو ايضا سبب المؤشرات التي يبديها الناخبون بخصوص انخفاض شعبيتها في الاسابيع الاخيرة. فأفيغدور ليبرمان ذهب بعيدا جدا في استخدام شعارات بهذه الروح، عندما اقترح ان يترك عند ترسيم الحدود المستقبلية بعض البلدات العربية الاسرائيلية خارج الدولة. فلماذا لا يتم تنفيذ فك ارتباط على طول الطريق، حسبما يقترح ليبرمان، والتخلص ايضا من هؤلاء الفلسطينيين. وبحسب استطلاعات الرأي، ثمة ناخبون ينظرون بجدية الى هذا الاقتراح غير المنطقي. حزب ليبرمان يتنازل مسبقاً عن مصوتين من وسط المواطنين العرب. لكن الاحزاب الكبيرة ايضا تتجاهل الناخبين العرب. وهكذا لم يتبق امام العرب الاسرائيليين من خيار سوى التصويت للاحزاب العربية التقليدية، التي يتنافس الناطقون باسمها فيما بينهم بالتصريحات المتشددة ضد اسرائيل وفي كيل المديح والثناء لأعدائها. وفي نهاية المطاف سيصوت غالبية المواطنين العرب في اسرائيل لصالح تلك الاحزاب، على الرغم من ان معظمهم لا يؤيدون مواقفها. ان تنفيذ المزيد من الانسحابات احادية الجانب واقتلاع المزيد من المستوطنات، تبدو اشكالية الان، فأي من الاحزاب لا يتعهد بمواصلة هذه السياسة بعد الانتخابات. وبعد فوز حماس تحديداً، من غير المعقول ان تواصل الحكومة، اي حكومة، ستشكل بعد الانتخابات هذا النهج. ومع ذلك، يبدو ان هذه السياسة النظرية التي تتوافق مع كاديما، الحزب النظري، هي التي من شأنها حسم نتائج الانتخابات القادمة.