هيّا إلى الحوار الذي ليس له غرض سوى تبديد هاجس الحرب الأهلية وتحديد وجهة العلاقة مع سوريا، وكل ما عدا ذلك تفاصيل تحتمل التأجيل حتى يحين موعد الاستثمار النهائي للحقيقة في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري... الذي سيكون، وللمرة الاولى منذ نحو ثلاثة عقود، غائبا عن لقاء وطني عام. الحوار مهم فقط لأنه نقيض الاقتتال وبديله. وظيفته أن يثبت للداخل والخارج معا أن أحدا في لبنان لا يسير في اتجاه أي مشروع لإلغاء الآخر أو عزله او حصاره.. وأن يبرهن ان نقطة الخلاف الجوهرية الوحيدة بين اللبنانيين حالياً هي الموقف من سوريا ونظامها الذي لم يتضح بعد ما إذا كان قد سلّم بالخروج التام من الوضع اللبناني، ام أنه لا يزال يأمل بالعودة بشكل أو بآخر. لكن نفي الحرب الاهلية هو اختبار صعب، لأن إشاعة جو نفسي يفيد ان كل ما يتردد عن ان خطوط تماس جديدة يمكن ان ترتسم في أي لحظة في لبنان ليست سوى خيال، لا يكفي وحده لإزالة المخاوف من ان طرفا لبنانيا او اكثر يمكن ان يتعرض مرة اخرى لمثل هذا الإغواء، او يمكن ان يستجيب لمناخ إقليمي شديد الخطورة.

ليست هناك حاجة ظاهرة الى تجديد التعاقد بين الطوائف، بما يتجاوز الكلام العام عن الالتزام باتفاق الطائف الذي حالت سوريا دون تنفيذه كاملا طوال السنوات ال15 الماضية. لكن أي خطأ، مهما كان عابرا، في مجريات الحوار، يمكن ان يكون له اثر سلبي جدا في الشارع الذي لا يدرك حتى الآن أن الخروج السوري من لبنان لم ولن يحدث انقلابا او خللا في موازين القوى الداخلية. الرهان العربي والدولي على الحوار يقتصر على تلك الفكرة بالتحديد، بقدر ما يهدف الى اختبار مدى خروج سوريا من الوضع الداخلي اللبناني، وقياس مدى استعدادها لترك اللبنانيين ينظمون أمورهم بأنفسهم، برغم أن أحداً لا يتوهم بأن لقاء اليوم يمكن أن يشكل أساسا لذلك التنظيم... الذي لم تتوافر شروطه الكاملة بعد، وقد لا تتوافر قبل أن تحسم طبيعة العلاقات بين واشنطن وباريس وبين دمشق.

ثمة إشارات إلى أن لبنان الذي يدير المجتمع الدولي بنجاح كبير حتى الآن عملية فك ارتباطه مع سوريا، يمكن ان يصبح النموذج المثالي الوحيد الذي يعمل عليه الاميركيون والفرنسيون في العالم العربي والاسلامي، بعدما فشلت جميع المحاولات لتقديم نماذج ناجحة سواء في مصر او فلسطين او العراق الذي ثبت في الايام الماضية انه يسير بسرعة مذهلة نحو الخراب، ويدحض الخطاب الاميركي والغربي الذي قام على أوهام نشر الحرية والديموقراطية وحقوق الانسان. إذا صحت هذه الاشارات، فإنها تكسب الحوار الوطني المقرر اليوم اهمية لم تكن في الحسبان، برغم انها لا تضمن نجاحه.. بغياب الحريري!