كلما ازدادت التصريحات الرسمية الأميركية حول ضرورة إرساء الأسس الديمقراطية في دول منطقة الشرق الأوسط تعاظم القلق والخوف من إمكانية اندلاع حرب إقليمية أو حدوث اضطرابات داخلية في هذا البلد أو ذاك.

وهذا ليس بالضرورة أن يكون نابعاً عن عدم توفر نوايا حقيقية لدى المسؤولين الأميركيين بهذا الخصوص، سواء في وزارة الخارجية أو الدفاع أو البيت الأبيض، لا سمح الله، ولكنه قد يكون بسبب الحرص المفرط على أمن واستقرار المنطقة التي يرون فيها مصلحة عليا لأمنهم القومي على المديين القريب والبعيد.

فمنذ انتهاء الحرب الباردة وحرب تحرير الكويت بدأ المسؤولون الأميركيون بالتبشير بنشر القيم الغربية وعلى رأسها ممارسة القيم الديمقراطية في الحياة السياسية وإنهاء حكم الفرد والقضاء على الديكتاتوريات.

وعلى رأس هؤلاء المبشرين كان الرئيس جوج بوش الأب الذي طالما كرر استياءه وعبر عن بغضه للنظام العراقي السابق وغيره من الأنظمة الاستبدادية لا سيما في منطقة الشرق الأوسط.

وقد لاقت هذه الدعوات ترحيباً وتأييداً مباشراً من دول الاتحاد الأوروبي وغير مباشر من معظم الشعوب العربية.

وكان الترحيب الشعبي العربي غير المباشر لإرساء الديمقراطية في العالم العربي من قبل واشنطن قد تضاعف بالتزامن مع بدء العملية السلمية والمفاوضات السياسية في مدريد وواشنطن وصولاً إلى اتفاقات أوسلو المختلفة وإنشاء أول سلطة فلسطينية كخطوة تمهيدية باتجاه قيام الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية.

ووصلت الأمور ذروتها عندما قام الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون بزيارة قطاع غزة التي رأى فيها الكثير من العرب تغييراً دراماتيكياً في السياسة الأميركية تجاه الصراع العربي ـ الإسرائيلي والمنطقة بأسرها وأن المرحلة اللاحقة ستشهد تطوراً نوعياً إيجابياً في العلاقات العربية ـ الأميركية الرسمية وغير الرسمية.

ولكن التفاؤل العربي بتطور العلاقات العربية ـ الأميركية وبأن واشنطن قد تبتعد تدريجياً عن المعايير المزدوجة تجاه الصراع العربي ـ الإسرائيلي تقهقر وتبخر وتوقفت عملية السلام بالرغم من حجم التنازلات الكبيرة التي قدمها الفلسطينيون والعرب من أجل السلام واستمرت إسرائيل بل وضاعفت من إجراءاتها القمعية ضد الشعب الفلسطيني وقيادته ورموزه ومقدساته لا سيما بعد اندلاع انتفاضة الأقصى.

وازداد التوتر في العلاقات العربية ـ الأميركية بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 وأعلن الرئيس جورج بوش الابن الحرب على الإرهاب في أفغانستان وقسم العالم إلى عالمين:

عالم الإرهاب والعالم الحر دونما تحديد تعريف واضح للإرهاب، الأمر الذي خلق ارتباكاً بين الدول حول ماهية الإرهاب وكيف يتم التمييز بين ممارسة الإرهاب وممارسة حق المقاومة.

وهذا الخلط تم استثماره من قبل واشنطن وتل أبيب وأدرجت العديد من حركات المقاومة في قائمة «الإرهاب» وفي مقدمتها حركتا حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين وحزب الله في لبنان. كما تم تصنيف إيران وسوريا من دول الشرق الأوسط ضمن ما يسمى بـ «محور الشر» من قبل إدارة الرئيس بوش، إلى جانب كوريا الشمالية وكوبا.

وطبعاً لم يضف اسم إسرائيل التي تحتل الأراضي الفلسطينية واللبنانية والسورية وترفض تنفيذ القرارات الدولية بهذا الخصوص إلى مجموعة دول «محور الشر».

على العكس من ذلك استمرت إسرائيل تتمتع بالدعم الغربي وخاصة الأميركي بصفتها الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة التي تعيش في غابة من الديكتاتوريات.

ثم استخدمت إدارة الرئيس بوش شعار الديمقراطية لتغيير النظام الاستبدادي في العراق بعد فشلها في إيجاد أسلحة الدمار الشامل السبب الأساس لشن العدوان على العراق عام 2003.

وعلى أظهر الدبابات ومن خلال التواجد العسكري الأميركي الضخم في العراق وعن طريق الاحتلال العسكري المباشر وما ينتج عنه من تداعيات سلبية ومرعبة على العراق والمنطقة تدعي إدارة الرئيس بوش أنها تعمل لإرساء الديمقراطية في العراق ليكون أنموذجاً يحتذى به في المنطقة بأسرها. ولا يزال العراق والشعب العراقي ينزفان الدماء تحت شعار الديمقراطية.

أما التصريح الأميركي الأبرز حول نشر الديمقراطية في المنطقة جاء على لسان كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية قبل حوالي عامين عندما ألقت اللوم وكل اللوم على السياسة الأميركية خلال الستين سنة ماضية التي ساندت ودعمت الأنظمة الاستبدادية على حساب الديمقراطية وهذا ساهم بشكل كبير في نشوء «التطرف الديني» الذي كان وراء الأحداث في نيويورك وواشنطن.

وما أن فازت حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية الثانية حتى بدأت أصوات التحدي والتهديد والوعيد تطغى في واشنطن والعواصم الغربية وإسرائيل.

ومعها بدأت تطفو إلى السطح سيناريوهات أميركية وإسرائيلية تبحث سبل الخروج من المأزق الذي تجسد بفوز حماس بإسلوب ديمقراطي وعلى الطريقة الغربية للانتخابات وتحديداً عن طريق المواجهة.

أما الآن فقد بدأ الأميركيون التحدث عن ضرورة إرساء الديمقراطية في إيران. فقد طلب الرئيس الأميركي جورج بوش من الكونغرس تخصيص دعم مالي طارئ قدره 75 مليون دولار لتحقيق التغيير .

ودعم الديمقراطية في إيران عن طريق تخصيص المال لزيادة البث الإذاعي والتلفزيوني الموجه إلى إيران ومساعدة من وصفهم بالإصلاحيين والمنشقين ونشطاء حقوق الإنسان الإيرانيين لتحقيق ما وصفه بالتغيير الديمقراطي.

وقد شن الرئيس بوش في واشنطن مؤخراً هجوماً عنيفاً على النظام الإيراني الذي وصفه بأنه يأوي الإرهاب ويقمع شعبه ويسعى لتطوير أسلحة نووية وتدعيم نفوذه في المنطقة فضلا عن الترويج لفكرة تدمير «حليفتنا إسرائيل».

ويصر الرئيس بوش والوزيرة رايس أن نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط لا يمكن أن يتحقق بدون «تحقيق التغيير وإحلال الديمقراطية في إيران وبالتالي فإن سيناريو الحصار والحرب هما الأبرز في المرحلة المقبلة.

ووفق هذه القاعدة الجديدة التي تريد إدارة الرئيس بوش الالتزام بها لإرساء الديمقراطية في المنطقة فإن القوة العسكرية مصطحبة بالأدوات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية ستشكل العامل الأساسي لتغير ما هو مطلوب تغييره وفق المصالح الأميركية والإسرائيلية في المنطقة وليس وفقاً للحقائق الموجودة على الأرض ولمصلحة شعوب المنطقة.