إذا كان ابن خلدون قد وضع «مقدمته» في الجزائر، هل يكون جزائرياً؟ ماذا كان جبران خليل جبران الذي وضع معظم كتبه في أميركا وباللغة الانكليزية؟ وماذا كان جان جاك روسو، الذي نقرأ على غلاف كتبه الأولى انه «مواطن من جنيف». ألا تعتقد أكثرية الناس انه فرنسي، بسبب ما ترك من تأثير على الفكر الفرنسي والحركة الإصلاحية ومبادئ السياسة والاجتماع؟ في أي حال، حسمت وزارة الثقافة التونسية الأسبوع الماضي، كل شك أو جدل: العام 2006 هو عام التونسي ابن خلدون، والجميع مدعوون إلى المشاركة: من غرناطة إلى الجزائر إلى القاهرة، حيث توفي العام 1406 وهو في منصب كبير القضاة. إذن، ابن خلدون مصري؟ لا. هو، كما كان فكره، مزيج كل ما كان وكل ما رأى. ولو لم يسافر باحثاً وعالماً ومنقباً، لكان لدينا مفكر آخر. فلو لم يسافر ابن بطوطة في الأمصار، لبقي، مثلاً، عالماً في اللغة. إن ابن خلدون هو نتاج تجربته الإنسانية ومغامراته وما لقي من الناس، خيرهم وشرورهم. وما رأى من محبة السادة وحسد العبيد.

لقد قال آرنولد توينبي، اشهر مؤرخي القرن الماضي، إن «المقدمة هي بلا شك أعظم عمل من نوعه، وضعه عقل واحد في أي مكان أو زمان». إذن، لا يعود مهماً من أين أتى وأين وضع مقدمته. لكن ابن خلدون نفسه يقول لنا في سيرته إنه متحدر من عائلة يمنية استوطنت اشبيلية في القرن الثامن. وعمل رجال العائلة في السياسة والفكر حتى القرن الثالث عشر، فسافروا إلى تونس ومدوا جذوراً في بلاد المغرب. وفي تونس ولد. وعزل نفسه طوال 4 سنوات في قصر السلطان بن سلامة في وهران حيث وضع «المقدمة» وقدم النسخة الأولى منها إلى سلطان تونس. وفي كل مكان كثر حاسدوه السياسيون والفكريون. ووصلت أخباره إلى السلطان برقوق في مصر فاستدعاه وأكرمه وجعله كبير القضاة المالكيين.

لكن مغامرات ابن خلدون لم تتوقف. فقد انضم إلى السلطان الناصر المملوكي في حملة لإنقاذ دمشق من هجمة تيمورلنك. لكن السلطان تخلى عنه، فرأى نفسه يفاوض مرغماً مع المفاوضين على استسلام دمشق. وهناك طلب تيمورلنك لقاء ابن خلدون. وقد وضع عنه المؤرخ التونسي دراسة لا تنسى. وأثارت الكثير من الجدل. واعتبر كثيرون انه وضعها إما بتأثير الخوف من الفاتح المغولي أو بإغراءات منه.

هذا العام هو عام مرور 600 عام على وفاة المفكر والفيلسوف والرحالة والعالم التونسي. أو الأندلسي. أو المصري. ولا شك بأن وزارة الثقافة التونسية خليقة بأن تعد تكريماً يليق بأعظم مؤرخيها وتنسب تونس إلى نفسها عظماء كثيرين، أهمهم شعب طيب ومنفتح ومشارك في صنع الثقافات.