هآرتس

عاموس هرئل

حصلت بعد ظهر يوم أمس عملية طعن بسكين عند مفترق غوش عتسيون، انتهت بوقوع عدد قليل من الجرحى، لكن هذه الحادثة كانت مجرد واحدة من ثلاث وقعت أمس في الضفة الغربية. البيانات التي ترسل عبر جهاز الاتصال الداخلي "بايجر" تتدفق الآن بسرعة أكبر من المعتاد. بعد بضعة أشهر من الهدوء النسبي، ومع انتهاء فك الارتباط، أخذ يصل في الأسابيع الأخيرة عدد كبير من التقارير اليومية بشأن حصول عمليات، يندرج الكثير منها ضمن ما يعرفه الشاباك بأنه "عملية تخريبية شعبية": أي إلقاء حجارة وزجاجات حارقة، وطعن بالسكاكين ـ وغالبا ما تأتي هذه العمليات بمبادرة من المنفذ ومن دون ان يكون المنفذ مرسلاً من قبل منظمة ما. وفي هذا المجال يأخذ الجيش الإسرائيلي جانب الحذر ويتجنب تعريف هذه الظاهرة على أنها تغيير في الاتجاه، وتقول مصادر عسكرية أنه ثمة حاجة لمزيد من المعطيات الواضحة بغية الحديث عن وجود تغيير فعلي لا ينبع من التقاء عفوي للعمليات. في مقابل ذلك، لا يوجد أدنى شك بالنسبة للمستوطنين في أن طرق الضفة تحولت مجدداً لتصبح أكثر خطورة، على الأقل في كل ما يتعلق بالقاء الحجارة والزجاجات الحارقة. ففي اللواء القطاعي عتسيون (بيت لحم) بدأوا يركزون في الآونة الأخيرة على مجابهة من يقومون بالقاء الزجاجات الحارقة. ومنذ مطلع هذا العام جرى اعتقال 23 فلسطينياً في منطقة اللواء المذكور وذلك خلال القائهم الزجاجات الحارقة. إضافة إلى ذلك سجل عدد كبير من عمليات الطعن التي أحبطت. وقد أحصى الموقع الاخباري على شبكة الانترنت "يشع نيوز" اعتقال 15 فلسطينياً في غضون الشهرين الماضيين وهم في طريقهم لتنفيذ عمليات طعن. كما اعتقل 23 آخرين عند الحواجز وفي حوزتهم سكاكين. هل ان العنف الشعبي، "انتفاضة الحجارة"، سيعود؟ في سنوات الانتفاضة الأولى (1987 ـ 1989) كان هذا ما ميز النضال. الانتفاضة الثانية التي بدأت في ايلول 2000، انتقلت بسرعة كبيرة إلى مرحلة السلاح. ومن شأن الارتفاع المؤقت على الأقل، في العمليات "الشعبية" أن يكون منسجماً جدا مع روح المرحلة: فوز حماس، الانفصال الأحادي الجانب عن السلطة الذي اعلنته إسرائيل وحالة اللايقين التي تحوم في الأجواء. تفيد أوساط في الجيش الاسرائيلي ان معطيات الأسبوعين الأخيرين تشير فعلاً إلى وجود ارتفاع في عدد الحوادث، لا سيما في حوادث القاء الزجاجات الحارقة ومحاولات الطعن. في المقابل، ثمة ارتفاع معين في حوادث اطلاق النار. وهكذا، حصل في الاسبوعين الأخيرين. كما وقع 39 حادثة توصف انها "إخلال بالنظام" (مظاهرات عنيفة أو مس بالممتلكات) مقابل 26 حادثة، و225 حادثة القاء حجارة مقابل 200 حادثة حصلت في الأسبوعين اللذين سبقا الأسبوعين الأخيرين. أما عدد عمليات اطلاق النار فارتفع من 26 الى 37 عملية في الأسبوعين الماضيين. أما عمليات العبوات الناسفة فارتفعت من 6 إلى 15. وبحسب تقدير ضباط كبار في الجيش الإسرائيلي، فان هذه الظاهرة ستتفاقم وتشتد في الأشهر القادمة. وهم يعتقدون انه ثمة مصلحة لحماس في تنمية احتجاج شعبي. فمثل هذا الاسلوب مريح من أجل الحفاظ على نار الكفاح ضد اسرائيل، من دون ان تتهم الحركة ـ التي تقف على عتبة تشكيل حكومة في السلطة ـ بأنها تخل بوعودها في التوقف عن الارهاب. إضافة إلى ذلك، يسمح هذا الأمر بممارسة الضغط على إسرائيل في نقاط محرجة من الناحية الدولية، وعلى رأسها استمرار بناء الجدار الفاصل. في المقابل، فان حركة فتح ـ التي خسرت جزءاً من سيطرتها في السلطة ـ تبحث عن حيثية ومشروعية لها مقابل الجمهور الفلسطيني ومقابل إسرائيل، ودائماً شكلت المظاهرات الكبيرة مجالات تميزت بها الحركة (في المقابل، قسم من أعضاء الجناح العسكري للحركة يعودون إلى تنفيذ عمليات اطلاق النار، كي يحصلوا على مساعدة مالية من منظمة الارهاب، ولأن السلطة توقفت عن كبحهم. قسم من العمليات يدخل في اطار العمليات "الشعبية" فعلا ـ أي بمبادرة شخصية من المنفذين الذين يعملون على أساس ظروف شخصية تصادمت مع استمرار الاحتلال. ذلك أن وضع الفلسطينيين في الضفة الغربية لم يتحسن بعد فك الارتباط عن غزة وشمال الضفة. ودائماً ستبرز أسباب لمهاجمة الجنود على الحواجز. لكن علاوة على التفسيرات الواسعة، تأثر ارتفاع العمليات في الأسابيع الأخيرة بعدة عناصر إضافية: سرع الجيش الإسرائيلي وتيرة أعمال البناء في الجدار الفاصل في منطقة رام الله، وأوجد بذلك بؤر احتكاك جديدة؛ لم يحصل هذا في بلعين فقط، بل في قرى عبود وبيت سيرا. امتداد المظاهرات والمسيرات في العالم الاسلامي التي تلت قضية الرسوم الكاريكاتورية الدنماركية والتي تناولت النبي محمد، إلى الضفة الغربية، حتى وان لم تحصل هذه المسيرات على نطاق كبير، وقد أدت الأعمال الاستفزازية التي حصلت في منطقة قلقيلية، عندما قام إسرائيليون بكتابة عبارة "محمد خنزير" على جدار مسجد، في مناسبتين مختلفتين، أدت إلى إشعال موجة عنف محلية. العملية العسكرية المتواصلة في نابلس ومخيم اللاجئين بلاطه، تخلق الكثير من المظاهرات وعمليات القاء الزجاجات الحارقة. والدليل على ذلك هو أن مقتل ثمانية فلسطينيين خلال تلك العملية أدى إلى إثارة عاصفة في المدينة ومحيطها. عدد المعتقلين بين حاملي السكاكين عند الحواجز ارتفع في أعقاب تغيير التعليمات في المنطقة الوسطى. ففي كانون الثاني طعن حتى الموت شرطي عسكري على يد فلسطيني على حاجز قلنديا. منذ ذلك الحين، ثمة يقظة معززة من قبل الجنود تحسباً لعمليات طعن ـ وهذا يؤدي إلى عمليات تفتيش متشددة جداً تُفضي إلى مزيد من الاعتقالات.