المعارضة السورية، لا يعجبها العجب ، ولا حتى الصيام في رجب، كانت تطالب ليلا ونهارا بالإصلاح والديمقراطية , وبشكل خاص بقانون للأحزاب، وما إن اصدر الرفاق في الشعبة الحزبية بمجلس الشعب، مشروعهم لقانون الأحزاب، حتى بدأت المعارضة بالهجوم الكاسح والضاري عليه، من كل حدب وصوب , حتى إن البعض منهم "المعارضون " قد ندم ندما شديدا ً، على تلك المطالبة الطويلة , بقانون الأحزاب، وبدأ يراجع نفسه، ومطالبه بالإصلاح , وقد اكتشف أن العيش في فوضى اللا قانون، ارحم وافضل من قانون ظالم حسب رأيهم .

لقد طال هجوم المعارضة، كل شيء في القانون المقترح ، حتى إن بعضهم قد اعترض بلؤم واضح ، على إن رفاق اللجنة الحزبية قد افتتحوا جلسة إعداد القانون، بترديد شعار حزب البعث ونشيده ، والأشد مكرا من هؤلاء، قد ذكروا بان من بين المجتمعين أعضاء من أحزاب أخرى، رددوا هم أيضا شعار حزب البعث . ناسين " أي المعارضة " أن هؤلاء إنما هم أعضاء في أحزاب الجبهة التقدمية، والتي ينص نظامها الداخلي على إن من يقودها ويرعاها هو حزب البعث، وبالتالي لا مشكلة هنا، إلا إذا كانت المسألة هنا معارضة من اجل المعارضة " إنني اعترض ، فأنا موجود !!. المعارضون الأكثر رصانة، والأقل لؤما، توقفوا عند عبارة الرفاق، بأنهم اعتمدوا أيضا على قانون الأحزاب لعام 1953 والملغى، بموجب أوامر حزب البعث نفسه. لا بل اقترح هؤلاء المعارضون الأكثر رصانة، والأقل لؤماً ، على اللجنة بأنه كان من الأفضل ألا يجهدوا أنفسهم، ويضيعوا وقتهم في كتابة هذه المقترحات , لأن المعارضة راضية من طرفها بالعودة 53 سنة إلى الوراء، وقبول ذلك القانون الملغى، وبدون أي تعديلات . هؤلاء المعارضون الأكثر رصانة والأقل لؤماً، وباعتبارهم من المثقفين، فقد اعترضوا أيضا، على ما اعتبرته اللجنة مرجعية للقانون، ألا وهو دستور حزب البعث أولا. ومن ثم الدستور الدائم للجمهورية ثانيا , وخاصة المادة 8 منه، والتي تؤكد أن حزب البعث ،هو الحزب القائد للدولة والمجتمع . والعبرة في اعتراضهم، إن اللجنة رتبت المواد بشكل خاطئ، ينم ـ حسب رأيهم ـ عن رؤية مشوهة، ومختلطة لكل من دور الحزب والدولة . حيث انه لا يجوز أن يكون لدستور حزب البعث الأولوية على المادة الثامنة من الدستور الدائم، كما يزعمون !!. أني أرى أن معارضة هؤلاء هنا، هو من مثل، الجـيـجـة بالأول ولا البيضة . ما المشكلة فيما إذا كان دستور حزب البعث في الأول، أو مادة الدستور الدائم، التي تقول بأن حزب البعث هو الأول ، شو الفرق؟!.

المعارضة السورية لا ترى إلا نصف الكأس الفارغ ، حيث أن أحدهم، والمولع كثيراً بالتفاصيل، وأرقام المواد في القوانين والأنظمة الداخلية وما إليها , قدم إحصائية لئيمة تؤكد بأنه من أصل 21 مادة، تدور حول الملامح العامة لمشروع قانون الأحزاب المقترح , هناك 11 مادة تبدأ بعبارة لا يمكن للأحزاب السياسية أن ....!!. هذا بالضبط ما اسميه النصف الفارغ من الكأس , حيث أنه ومن بدل أن يتم شكر الرفاق على جهودهم في توضيح وتفصيل، كل اللايمكنات الحزبية، لكي لا يقع المواطن في مشاكل مع القانون، في المستقبل، فيما لو كان عاما في موضوعات مهمة جدا،ً من مثل اللا يمكن، واللا يجوز، وال يحرم على الأحزاب . علما بأنه كان من الأسهل للرفاق، في هذه الحالة أن يكتبوا، بأنه : لا يمكن الأحزاب السياسية ،أن تقوم بأي نشاط سياسي أو اقتصادي، أو اجتماعي، أو ثقافي أو ديني .... أو فلكلوري، فيما لو كان هذا الأخير سيقام بغير اللغة العربية، تحت طائلة الــعقوبات المنصوص عنها في هذا القانون . طبعا المعارضة كانت ستتهم اللجنة، في هذه الحالة ، بأنها تؤسس لدكتاتورية قانونية، لذلك ولذلك فقط اضطر الرفاق ، لذكر كل المحرمات والموبقات التي لا يجوز للأحزاب المستقبلية الوقوع فيها .

أما المادة التي تقول، بأنه لا يصح انعقاد المؤتمر التأسيسي للحزب، إلا إذا كان يمثل ثلث محافظات القطر , ويضم 500 عضو منتخبا , من قبل 5000 عضو ينتمون إلى الحزب . فإنها تظهر نباهة، وذكاء الرفاق في اللجنة الحزبية من جهة، وسوء حالة المعارضة ، وضيق عينها وحسدها من جهة أخرى . سوء حالتها، لأنها لا تملك 5000 عضوا حزبيا، وبالتالي لا يمكنها أن تقدم طلباً لتأسيس حزب سياسي، وفق هذا القانون، أما الحسد وضيق العين , فهو ناتج من أن حزب البعث، وبحكم انه قائد للدولة والمجتمع، وربما بسبب ذلك ، فأنه يمتلك 2 مليون عضو، وأنه سيتبرع لكل حزب من أحزاب الجبهة التقدمية بعدد من أعضائه، ليتم استكمال أعدادها، إلى خمسة آلاف، وهو لــن يفعل ذلك بطبيعة الحال مع المعارضة اللئيمة .

أما الأحزاب الكردية، فإنها معترضة على هذه المادة بشدة , لسببين ، الأول : هو أنها أي ال 14ـ 15 حزباً، ستضطر في هذه الحالة، إلى الاتحاد في حزبين أو ثلاثة، وبذلك ستطير كثير من المناصب الحزبية. مثلا، سيضطر أكثر من عشرة أمناء عاميين إلى التأقلم مع أسمائهم مجردة من عبارة الأمين العام، وهي مسألة صعبة بطبيعة الحال بعد هذا الزمن الطويل من الألفة بين الاسم والأمين العام . كما أن هذه المادة تتعارض، تعارضا صارخا مع معظم أنظمتها الداخلية , والتي تنص بشكل صريح أو مضمر، بأن ما يقارب من نصف أعضاء المؤتمر يحضرونه من غير انتخاب . هنا يجب أن يوجه المرء، الشكر إلى اللجنة الحزبية في مجلس الشعب،لأنها فرضت من خلال هذا القانون، بان يكون كل أعضاء المؤتمر لأي حزب سياسي في سوريا، منتخبين، بما فيها الأحزاب الكردية، هذه الأحزاب التي يجب إن تقوم بالطبع، بسلخ جلدها ـ حسب ما تدعي هي ـ وفق مقترح القانون، الذي ينص، بأنه لا يمكن للأحزاب ـ أحد اللايمكنات ـ أن تضمن أسمائها كلمات، تشير إلى عرق أو مذهب أو طائفة معينة . أي أنه لا يجوز، أن تكون كلمة كردي موجودة في أسم أي حزب، لأن له دلاله عـرقــية .أما إذا تنطح أحد الأكراد وزعم بأن حزب البعث , يسمي نفسه بحزب البعث العربي الاشتراكي . فجوابي له، بأنه نسي، أو تناسى , بأن قانون الأحزاب هذا، إنما هو للأحزاب السياسية من الدرجة الثانية , ولا ينطبق على حزب البعث، بحكم المادة 8 من الدستور بوصفه قائدا للدولة والمجتمع . وهل في هذا ضيم؟. وهل كان خلال كل تاريخنا الشرقي المجيد، من قائد أو خليفة، أو أمير مؤمنين أو سلطانا أو ملك، طبق القانون أو الشريعة على نفسه، وجماعته حتى تطلبون ذلك من حزب البعث ؟!.

إن ما تعتبره بعض المعارضة ، خدعة من طرف حزب البعث، وهي إصداره لقانون الأحزاب بعد إعلان دمشق ، حيث اعترفت فيه المعارضة، بوجود الأكراد في سوريا، وهذا يعني حسب فهمها للقانون الجديد، بأنه لن يصرح لها بالعمل لأنه ينص : لا يمكن للأحزاب السياسية الاعتراف بوجود أقليات عرقية في الجمهورية العربية السورية . إنما هي مسألة سهلة الحل, وربما هي مريحة لهذا البعض من المعارضة ، وهي أن تسحب ذلك الاعتراف من إعلان دمشق. المشكلة هنا ليست عند المعارضة ،لكنها عند الرفاق في اللجنة الحزبية، وهي كيف انه لـم يخطر لكم، كيفية حل مشكلة إن الرفيق الأمين العام للحزب , رئيس الجمهورية، قد أعترف وعلى الملأ بوجود الأكراد كجزء أصيل في المجتمع السوري ؟!.

اعلم أن كل أصناف المعارضة تلك، قد استهجنت عنوان المقالة هذه ، لأنه حسب مفهومها للديمقراطية، يجب أن توجه التحية إليها فقط، وليس إلى الطرف الآخر، حتى ولو اقدم على خطوات إيجابية يستحق عليها هذه التحية . وأعلم أن السؤال الذي ستطرحه ، هو، وما هي النقاط التي يستحق الرفاق عليها هذه التحية ؟. أقول إن هي والله إلا نقطة واحدة , ما كنت سأثيرها لخوفي على الرفاق في اللجنة , لكني أقدمت على ذلك، بالنظر إلى أن الرفاق قد ذكروا بأنهم في بداية جلستهم، قد رددوا شعار الحزب ونشيده، وبالتالي لا يمكن لأحد أن يشكك في إخلاصهم والتزامهم بالحزب والوطن. والنقطة هي ، إن أنهم في خاتمة بيانهم ، قد طالبوا الرفاق في القيادة القطرية للحزب، بالقطع مع دائرة الأنظمة الشـــمــولــية , والدخول في دائرة الأنظمة الديمقراطية!!. يجب أن يقر المرء، بأن هذه هي الشجاعة بعينها، أن يعترف الرفاق البعثيون في اللجنة الحزبية لمجلس الشعب، وفي وثيقة رسمية بان نظامهم خلال الأربعين السنة الماضية، كان نظاما شموليا، انتفت فيه أبسط قواعد الحياة السياسية والاقتصادية ،والاجتماعية والقانونية للبشر داخل البلاد، وإنهم بهذه المقترحات يريدون القطع مع ذلك التاريخ، والدخول في دائرة الديمقراطية، وهو اعتراف عظيم القيمة ، من حيث انه وكما يقال معرفة الداء هي بــدايـة الدواء .

أما وإن مقترح قانونهم , وحيث أنه يحرم الأحزاب القائمة على أسس عرقية أو طائفية، أو مناطقية أو عشائرية، والأحزاب الــتي تدعــي وجود أقليات عرقية في سورية، أو التي عادت ـ من العداوة ـ ثورة الثامن من آذار . إنما يعيد رسم الخارطه السياسية كما هي، لأنه يحرم الأحزاب الإسلامية ، لأنها مذهبية ، والأحزاب الكردية لأنها عرقية ، والأحزاب العلمانية إما لأنها عادت ثورة الثامن من آذار ، وتاريخها المجيد، أو إنها تعترف بوجود أقليات عرقية في سوريا ، أي انه وبملخص القول، إن الأحزاب التي يمكن أن ترخص بموجب قانون الأحزاب هذا، إن هي إلا أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية إياها ، ولكن بعد تسليفها بضعة آلاف من رفاق حزب البعث ، فأنى لا ألوم الرفاق في اللجنة عليه ، فكما يقول المثل ، من شبَ على شيء شاب عليه ، لأنه ليس من العدل أن نطلب من ، مَن شب أربعين عاما في ظل نظام شمولي ـ حسب قول الرفاق أنفسهم ـ أن يوجدوا لنا مخرجاً منه في شيبتهم .