سمّم قيامُ إسرائيل وما استجرّه من حروب ونزاعات العلاقةَ بين الديانات التوحيديّة الثلاث وأتباعها. والحال أننا إذا ما عدنا إلى بعض الكتابات العربية الراهنة التي تأخذ جميع اليهود بجريرة أعمال إسرائيل، كدنا نظن أن الثقافة العربية امتلكت دائماً هذا الموقف التعميمي والعصبي. لكن الحقيقة تقول العكس تماماً، بحيث يتضح لنا أن هذا الموقف الإجمالي السلبي من اليهود حديث نسبياً في الكتابة العربية.

فلدى التعامل مع نصوص المثقفين العرب والمسلمين عن اليهودية ومقدّساتها، يصعب الوقوع على شيء مما ساد لاحقاً، أي بدءاً بهزيمة 1948 ولكنْ خصوصاً مع هزيمة 1967. فلا "النفس" العربية والمسلمة كانت مجروحة إلى الحد الذي تعرّضت إليه في ما بعد، ولا المستويات التعليمية كانت تدهورت بالقدر الذي شرع يحصل تدريجاً مع الاستقلالات، ثم بوتيرة متسارعة مع الاستيلاء الراديكالي على أنظمة الحكم.

وبدورها، ساهمت الأوضاع السابقة في المحافظة على تقليد التعايش العثماني بصفته من مقوّمات المنطقة ومن مواصفاتها. غير أنه، إلى ذلك، لم تكن الفسحة الزمنية قد باعدت النخب العربية والمسلمة عن بدايات الاحتكاك بالغرب والتعلم منه، عبر الإدارة والمدرسة والمصادر المتعددة للأفكار والسلوك.

هكذا لاحظ المصري أحمد أمين، أحد أبرز كتّاب زمنه ومثقفيه، أن القرآن والتوراة يتفقان "في إيراد بعض المسائل، وخاصة في قصص الأنبياء". (ضحى الإسلام. الجزء الأول. دار الكتاب العربي، بيروت. الطبعة 10. ص 332)، وعندما تطرق إلى تـفسير القرآن، أشار إلى أنه حين "تقرأ تفسير الطبري على تلك الآيات يتجلى لك بوضوح أنهم أخذوا ما في التوراة وشروحها، والأخبار التي رُويت حولها، ووضعوها تفسيراً لآيات القرآن الكريم". (ص 333).

أما حين يعرّف التلمود، وهو الكتاب الذي خضع لجلْد الكتّـاب المعادين لليهود في العالم أجمع، فيرى أنه "كان لليهود بجانب ذلك (أي التوراة والزبور وباقي الكتب المقدّسة)، سنن ونصائح وشروح لم تُـنقل عن موسى عليه السلام كتابةً، وإنما تُـدُوول نقلها شفاهاً ونمت على تعاقب الأجيال ثم دُوِّنت بعدُ، وهذا هو المسمى بالتلمود، والتلمود مختلَـف فيه فيما بينهم، فمنهم من يقبله وهم طائفة الربّـانيين، ومنهم من لا يقبله وهم طائفة القرّائين".

ويستكمل أحمد أمين تعريفه المُـقنع والعادل، فيلاحظ أن التلمود "مجموعة من المناقشات الدينية الأولى مع شروح لرجال الدين من الأجيال المتعاقبة، فيه القوانين اليهودية من قانون عقوبات وقوانين مدنية، وبعبارة أخرى، فيه تحديد العلاقات الدينية والدنيوية. يسجل أفكار اليهود في حياتهم وتقاليدهم في نحو ألف عام، ويمزج مزجاً تاماً نواحي الشعب الخلقية بنواحيهم الدينية. وقد جُـمع التلمود في نحو ثلاثة قرون، ابتدأوا بجمعه في أوائل القرن الرابع للميلاد، وتم في نحو نهاية القرن السادس. ويُـسمّـى القسم الأول منه "المِـشنا" (Micgna) وهو مجموعة أحكام استندت على العهد القديم، وقد كُـتب باللغة العبرية الأولى، والقسم الثاني يُـسمّـى "الجيمارة (Gemara) ويتضمّـن مباحثات لربّـانييهم -أي فقهائهم- وقد كُـتب باللغة الآرامية. وحول هذه الكتب الدينية نُـسج كثير من الأدب اليهودي والقصص والتاريخ والتشريع والأساطير". (ص 328 – 330).

قبل ذلك، وفي كتابه "فجر الإسلام" الصادر أوائل الثلاثينيات، ذكر أمين أنه حتى حين كان الرسول ينهى المسلمين عن الأخذ باجتهادات وتأويلات "أهل الكتاب"، ظل المسلمون يعودون إليهم بالسؤال وطلب المشورة. و"لم يتحرّج حتى كبار الصحابة مثل ابن عباس من أخذ قولهم". ويضيف الكاتب المصري الكبير: "ويعجبني في ذلك ما قاله ابن خلدون: "ان العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم، وإنما غلبت عليهم البداوة والأمية، وإذا تشوّفوا إلى معرفة شيء ما تتشوّف إليه النفوس البشرية في أسباب المكوّنات وبدء الخليقة وأسرار الوجود، فإنما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم ويستفيدونه منهم، وهم أهل التوراة من اليهود ومن تبع دينهم من النصارى". (أحمد أمين. فجر الإسلام. مكتبة النهضة المصرية. الطبعة الـ15. 1994. ص. 201 – 202).

ولئن عُـرف طه حسين وأحمد زكي بمواقف تعاطف مع الأقليات، واليهود في مقدّمها، فإن عباس محمود العقّـاد سبق له، في العشرينيات، أن ذهب أبعد من ذلك فامتدح الزعيم الصهيوني ماكس نورداو، غير مدرك بأن المشروع الذي يحمله مؤداه إقامة دولة في فلسطين. وهو قد رحّـب، في 1924، بتعيين اليهودي يوسف قطاوي وزيراً في مصر، كما استوحى روايته الوحيدة "سارة" من فتاة يهودية.

كذلك تعامل السوري محمد كرد علي، أحد أبرز مثقفي زمنه العرب، باحترام بالغ مع المعتقدات الدينية اليهودية ومع اليهود، تعاملَـه بدرجة بعيدة من الحياد مع نزاعات اليهود القدامى ما بين سامريين وباقي أسباطهم.

والواقع أن محمد كرد علي قام، في كتابه "خطط الشام"، قام بعمل يشبه ما يقوم به مُـعدّو الموسوعات، طالباً من رموز الأديان والطوائف كلها، بما فيها الديانة اليهودية، التعريف بأنفسهم. وإلى هذا، نقل كرد علي وتبنى في كلامه على اليهود، أحكاماً تتناقض كلياً مع التأويلات التي سادت الفترة اللاحقة، أتعلّـق الأمر بإلههم يهوه، أم بقابلية الاندماج في المجتمعات الأخرى. فهم "ما زالوا منذ الخليقة(...) يعبدون الله عز وجل ويوحّـدونه ويعرّفونه بيهوه(...) وقد فصّـل المجتهدون من علماء اليهود اسمه تفصيلاً وافياً(...) وكان يرفق أحيانا اسمه الكريم في التوراة بكلمة "إلوهيم" أو "شدّاي" ومعناهما الجبروت والشدّة. ويحترم اليهودُ أيضا الأنبياء الذين أُوحي إليهم في زمن ملوكهم وعددهم 48". ويستطرد المثقف السوري في رواية تخالف كلياً السيناريو اللاسامي عن عدم اندماجهم، فيقول: "يتآلف اليهود مع مواطنيهم مهما اختلفت نزعاتهم. فهم فرنسيس في فرنسا، وروس في روسيا، وإنكليز في بريطانيا، وهنا أيضا لا يختلفون عن الشاميين من حيث الأخلاق والزي. ولأسمائهم دخل قوي في الألفة مع مسلمي الشام. فهم يتسمّـون بأسماء لا يتسمّـى بها غيرهم من اليهود، كصبحي وصبري وعارف ومراد ويحيى وعبده وبهيّـة وعائشة وجميلة(...) ومما يزيد ائتلافهم مع المسلمين أنهم مضطرون بحكم الدين الموسوي أن يراعوا مثلهم أحكام الختان والغسل والطهارة". ويمضي كرد علي في البحث عن المظاهر المشتركة، ملاحظاً أن "لغتهم هذه هي شقيقة اللغة العربية. فإن الصرفيين العرب لا يتعذّر عليهم تعلّـم اللغة العبرية والتعمّـق في دقائقها". ومن ناحية أخرى، اقتبس اليهود "من المسلمين، واقتبس المسلمون منهم في نابلس على توالي الأيام كثيراً من العادات واللهجات، وهم الآن يتكلمون بالعربية النابلسية العامية".

وإذ يتناول العراقي جواد علي كتب اليهود، يحرص على الإشارة "إلى أهمية "التلمود" و"المشنه" و"الكماره"، بالنسبة إلى تاريخ العراق. ففي أبوابها بحوث قيّـمة عن مدن العراق وجغرافية العراق في عهد تدوين هذه الكتب، وهي تمتد لمئات من السنين. ففي "القيدوشين" مثلاً، أسئلة وأجوبة عن "إقليم بابل" وعن "ميسان" وعن "ميديا"، وقد وردت فيها أسماء مدن وأنهار وقرى وغير ذلك مما يساعد كثيرا في فهم جغرافية العراق في عهود ما قبل الميلاد وما بعده(...) وفي هذه المواضع دوّن "التلمودَ البابلي" أحبارُهم الذين استقرّوا في العراق. وهو يُـعدّ من أثمن التراث العبراني الذي ظهر عند العرب. وقد تأثّـر بالروح العراقية حتى امتاز بها على التلمود الأورشليمي، أي التلمود الذي كُـتب في فلسطين". (جواد علي. المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام. الجزء الأول. دار العلم للملايين، بيروت، ومكتبة النهضة، بغداد. الطبعة الثانية. 1976. ص 658).

وهذه ما هي إلا عيّنات زوّدنا بها ثلاثة من أبرز الكتّاب والمثقفين العرب في النصف الأول من القرن العشرين، أحدهم مصري والثاني سوري والثالث عراقي. فمن قبل كان الهاجس البحثَ عن المشترك بين أتباع ديانات مختلفة، أما لاحقاً فصار التوكيد على الخلاف هو الهاجس.