د.عبد الهادي حواضري

لهذه اللقطة ما يحاكيها في الأمور الأشدّ تعقيداً , بدءا من السياسة وانتهاء بوجودنا كمواطنين !!

لا أدري كيف تسللت الفكرة إلى رأسي بعدما شددت العزم مسافراً لقضاء بعض الأعمال ... فتحت المذياع على اللاهدف ! ومضيت في طريقي ... فجأة شدّ انتباهي أحد المتداخلين في برنامج (انتبهت لاسمه بعد انتهائه ) / "جسد و روح " والذي يبث على محطة صوت الشباب كل يوم أحد , الساعة الثانية والربع ظهراً... يقول للمذيعة بما معناه : إن صناعتنا الوطنية متخّلفة وليست متطورة بالشكل الذي يسوّق له , ولا يمكن اعتبارها من الصناعات المميزة في العالم , وربما ذلك لعدة أسباب , فالمكنات المستوردة لصناعتنا التي غالبا ما تكون صناعات تحويلية / هي بأساسها باطلة ومنسقة ومعاد تجديدها .... ولا يمكن لآلات بهكذا مواصفات أن تستطيع المنافسة في الأسواق العالمية وبالتالي نحن دولة ليست صناعية حتى لو على مستوى المنتجات البسيطة مثل الألبسة الجاهزة والفانلات علما أن القطن السوري من أهم الأقطان في العالم !! والسبب يعود لعدم توفر الآلية المناسبة في الإنتاج !!

فكرت بكلام هذا المواطن فكلامه مقنع , ويتكلم بلغة العارف بالشيء , وكنت قد فهمت من خلال حديثه أنه يعمل في المناقصات التي تتقدم بها الدولة !! شكرت المذيعة هذا المواطن, لأسمع بعدها فاصلاً غنائياً : لا تصدقوا اليحكون ..عنك وعني !! جاءت الأغنية وكأنها رد على المواطن الذي يتكلم بمنطق وعقل !!

لهذه اللقطة ما يحاكيها في الأمور الأشد تعقيداً , بدءا من السياسة وانتهاء بوجودنا كمواطنين !!

تذكرت ما دار في مجلس الشعب يوم خرج نوابنا على خدام !! ولست هنا لتوصيف الحالة يومها ! ولكن كنت أنتظر أن تشكل لجنة لإثبات واقعة دفن النفايات ومن ثم إعلامنا كمواطنين من خلال بيان واضح وشفاف نتائج هذه اللجنة , و خاصة بعدما نفى خدام أن يكون قد حصل دفن للنفايات النووية بالمطلق , واعتبرها دعاية مخابراتية ملفقة!!

بعد صرف القضاة 81 ولن أتكلم بحيثيات الصرف , ولكن الذي أريد قوله هل هذا هو الإصلاح القضائي المنشود؟؟ , الذي ينتظره المواطنين بعدما يئسوا من أي عدل يأتي من خلال القصر العدلي في وضعه الحالي !! هلم يعلم أصحاب الرأي أن القضاء عاد لحالته الطبيعية (مثلما عهدناه) وكأنها غمامة صيف ولّت !!

الانفراج السياسي الذي بات ملحا , كرد منطقي على التحديات التي يتعرض له الوطن , لا أرى له حضورا ولا يسمع صوت وقع لخطوه ,وربما خمدت ثورته بما يوحي بتراجع الضغوط إلى حد ما .... ! وهنا هل نحتاج لضغوط خارجية لتتزامن معها الإصلاحات التي يتوق لها كل سوري؟؟

سمعنا أنه يوجد جديّة لتحسين العلاقات بيننا ولبنان الشقيق , ولكن ما نراه على الساحة ينبئ بتفاقم الأزمة , واتجاهها نحو الأسوأ !! فهل فقدت الخارجية السورية الحدّ الأدنى لاحتواء هذه الأزمة التي باتت مفرخة للكثير من أزماتنا !!

أنفلونزا الطيور وما تشكله من إزهاق لثروة وطنية يمكن أن نرى نتائجها قريباً , من غلاء فاحش لمنتجات البروتينات الحيوانية الأخرى والضرورية لبناء المواطن الذي أمامه مسؤولية كبرى في تحمل الكثير من الأمور الشائكة التي تعترض المواطن السوري !! أمام تجاهل وزارة الإعلام من أخذ دورها في التوعية لهذه الحملة الاقتصادية التي تستلهم فرض نوعاً من الإتاوة على كل طير ينتج في العالم لصالح الشركات الأمريكية الممتلكة من قبل تجار الحروب ( أبطال حرب العراق وصنّاع الديمقراطية ) !! إضافة لترك شريحة كبيرة من العاملين في هذا المجال عرضة لدعم البطالة المتنامية التي أُنعم علينا بها مؤخراً!!

تحسين الوضع الاقتصادي للمواطن العادي , وضرورته وخاصة بعد موجة الغلاء الأخيرة التي رافقت غلاء بعض المواد الضرورية ... وكأن هذا الحديث ليس له حضور في سياسة الحكومة أو ربما ليس من الأهمية لنلحظه , أو كأنه مرّ مسرعا واختفى !! وربما قريبا يمكن أن نُطالب برش الملح على الجرح , ونشدّ الأحزمة .. فالمواجهة والصمود .. وربما المقاومة , وجميع المرادفات لهذه المصطلحات ستكون من اهتماماتنا القادمة !!

هذه بعض الأمور التي قفزت للذاكرة , وصوت الأغنية مازال يعلو وكأن الحكومة أخذت دور المطرب : لا تصدقوا اليحكون ..عنك وعني !!

فهل نصدق ما يحكى عن الحكومة ؟؟ أم نصدق الحكومة و أغنيتها ؟؟ ربما كنا نتمنى أن نستطيع أن نطرب بكلمات الأغنية , ولا نصدق ما يقال عن الحكومة !! ولكن كأن الأمور وصلت لحد لا يمكن أن نستطع سماع الغناء بعده !!