دأبت خلال السنوات الماضية علي محاولة ادراك أسس التعامل القائم بين السياسة العربية والإدارة الأمريكية، وما يهمني بهذه المرحلة هو مدي ادراك العرب لآلية القرار السياسي الأمريكي. والقدرة علي ادراك هذه الآليات أمر يكاد أن يكون مصيريا بالنسبة للعربي، ولا سيما يالنسبة للسوري. فالسوري منذ نكبة بغداد أصبح موضع التهديد الأكبر للسياسة الأمريكية الخارجية. وأهم ما يلزمه في هذه المرحلة أن يمتلك ادراكا حقيقيا ليتمكن من بناء استراتيجيته علي معرفة قيمة تقارب للصواب وتزيد صموده. ورأينا خلال السنوات القليلة الماضيات معارك تعكس هذا الادراك، فتعددت المعارك الاعلامية الجانبية التي دخلت فيها القيادات السياسية الحاكمة والمعارضة علي السواء، فكم سمعنا من وزير عربي يجيب علي مقال صحفي أمريكي، وكم مسؤول يعلن الحرب علي تقرير اخباري، إلي ما هنالك من قنابل دخانية لا تتعلق بحقيقة قائمة، وقد سألني البعض عن امكانية قيام مجموعة ضغط سورية في أمريكا وكأن الأمر تشتريه من السوق بخمس دقائق.

وخلال الأسبوع المنصرم تأكدت الصورة المشوهة هذه لكل من تابع ردات الفعل السورية علي قانون المنحة الأمريكية لمساعدة الديمقراطية. فقد نقلت لنا وسائل الاعلام العربية ردات فعل الحكومة السورية وبعض شخصيات المعارضة علي مشروع مساعدة الديمقراطية في سورية، الذي قدمه مكتب الشرق الأدني في وزارة الخارجية الأمريكية. وقد توالي الجانبان المزاودة علي مواقف وطنية لا تنتمي للواقع بشيء.

فالحكومة السورية اعتبرت أن القرار شيء مضحك وأنه تدخل في الشؤون الداخلية السورية. أما جهات من المعارضة فقد عسكت تصريحاتها وكأن هذا المشروع هو دفعة علي الحساب لإسقاط النظام في سورية. فترددت اجابتها بين الرافض له وبين الهامس المؤكد بأنه لا يمكن ان يتم اسقاط النظام إلا بمساعدة أمريكا

وهاتان الرؤيتان، الرسمية والمعارضة، تعكسان قصر نظر سياسي واضح لدي أصحابها، مما يؤكد عجزا لدي أصحابها عن ادراك آليات صناعة القرار السياسي في الادارة الأمريكية. ولكي نتمكن من إدراك هذا لا بد من تثبيت بعض الأمور التي أتت بقرار المشروع مساعدة الديمقراطية في سورية.

حقيقة القانون:

فقراءة القانون نصا تؤكد أنه لا يهدف من قريب ولا من بعيد لاسقاط النظام في دمشق، كما أنه لا يهدف لإيصال مجموعة دون اخري للحكم. وكنا نتمني علي المعترضين حكومة ومعارضة أن يتولوا عناء قراءة نص القانون. فالملايين الخمسة هي منح مشروطة تقدم لأي من الهيئات الأهلية أو المشتركة والتي تسعي للمساعدة في عملية الاصلاح السياسي والاداري في القطر. فقد نص القانون علي أهداف هذه المنح كما هو آت:

تعزيز وتطوير المؤسسات المساهمة في دعم الممارسات الديمقراطية التي تهدف إلي مساهمة السوريين في بناء مصيرهم ومجتمعاتهم. ومثال هذه النشاطات كما وردت علي صفحة وزارة الخارجية الأمريكية:

ـ سيادة القانون

ـ حرية الفكر والتعبير

ـ الحرية السياسية وتشكيل الأحزاب

ـ تعزيز الانتخابات الحرة والنزيهة.

فهذه الأهداف لا تشترط قلب النظام السوري ولا حتي المطالبة في قلبه، وإن كان مبررا للعرب أن ينظروا لكل حركة أمريكية بعين الشك وبمنظار العداء، ولكن يجب علينا أن نفرق بين ما يرغب البعض في الإدارة الأمريكية تحقيقه وما يمكن تحقيقه، فالذين صنعوا قانون المنحة للديمقراطية في سورية هم مختلفون تماما عن الذين صاغوا قانون محاسبة سورية، وإن التعامل معهما علي أنهما من طبيعة واحدة لا يخدم مصلحة الوطن لا من قريب ولا من بعيد.

السياسة الأمريكية في تحول مستمر:

رغم المهاترات الخطابية الأمريكية فإن السياسة الأمريكية غيرت من مواقفها خلال السنوات الماضيات. فالصامدون في الفلوجة وأنحاء العراق قصقصوا بصمودهم أجنحة اللوبي الإسرائيلي الذي كان يطمع أن تتابع الدبابات الأمريكية زحفها من بغداد لدمشق، أما وقد صمد العراق وصحيا الأمريكيون من حلم أكاليل الورود الموعودة علي أبواب بغداد؛ بات السير إلي دمشق غير مقبول في واشنطن، ومع سقوط اجنحة الغربان الاسرائيلية في الإدارة الأمريكية انتقلت أولوياتهم نحو عزل سورية بعد أن تم جرحها في لبنان. فهدفهم اليوم هو أن يدعوا سورية في عزلتها تنزف أطول فترة ممكنة. فإن أصدقاء اسرائيل ضمن التركيبة الحاكمة اليوم في الإدارة الأمريكية هم أول المعارضين لأي تغيرات في التركيبة السياسية السورية بما فيها الانفتاح الذي قد يقوم به الحكم علي الأحزاب والمؤسسات الشعبية. كما أنهم المعارضون لأي تغيرات قد تقيم أي نوع من الانفراج في العلاقة بين دمشق بقيادتها الحالية ـ أو بقيادة ديموقراطية بديلة ـ وبين واشنطن.

فقيام تحول ديمقراطي في سورية سينهي الكثير من متاعبها الخارجية، وسيفشل هذه الغربان في مخططاتها لتأليب المجموعة الدولية علي سورية. وخروج سورية من العزلة يعني مزيدا من الدعم للمقاومة الفلسطينية واللبنانية والعراقية. كما ان غربان اسرائيل تعلم حق العلم بأن التحول الديمقراطي الحقيقي لا يعني أبدا وصول سلطة جديدة في سورية ستتخذ مواقف مغايرة أقل صلابة في مواضيع صمود الأمة والمقاومة في العراق ولبنان أو فلسطين. واسرائيل تعلم أن مواقف الصمود السورية قضية تتجاوز أشخاص القيادة السورية، فقضايا الأمة وأهمها التحرير لا يمكن أن يقبلها الشارع السوري سواء من الحكومة الحالية أو أي حكومة ديمقراطية قادمة.

فإذا كانت الفلوجة رمزا لنصر العراق، فأمريكا قبل الفلوجة تختلف عن أمريكا بعدها، وما كان يمكن أن يحققه اللوبي الإسرائيلي قبل غزو العراق أصبح أصعب بكثير أن يقبل بالادارة الأمريكية بعد صمود العراق. كما أن موضع قدم اصدقاء العرب في الإدارة الامريكية بعد صمود العراق اصبحت أكثر ثبوتا. فصمود العراق عزز مواقف الباحثين عن الحق والعالمين بالاجحافات التي تلحق بقضايا الشعوب العربية بعد أن أعطاهم العراق مثالا واضحا بان السياسات القديمة لم تعد صالحة وأن الداعين لها غير صافي النية تجاه المنطقة ولا تجاه المصالح الأمريكية في المنطقة. ونكاد نقول بأن هذا القانون هو مثال حي عن المستحيلات التي دخلت في عالم الممكن بفضل صمود العراق وبفضل تقهقر دور غربان اسرائيل في الإدارة الأمريكية. وان قدراتهم ما زالت محدودة نوعا ما ولكن ما لا يبلغ كله لا يترك جله .

وكان حريا بالحكومة السورية أن تملك تصورا أقرب للحقيقة عن آليات القرار السياسي الأمريكي. فالسياسة الأمريكية لا يملكها فرد، ولا يصنعها شخص واحد. وقد يبدو للانسان العادي أن هناك تيارا واحدا يحكم هذه السياسة الخارجية؛ وهذا الامر صحيح، ولكن هذا التيار لا يمنع وجود بعض القرارات التي تتمكن من الولادة وإن كانت خارجة عليه. ومن ناحية أخري فإن التيار المسيطر رغم بقائه خلال حكم الرئيس ولكن حدود عمله ومجالاته دائما في صراع مع التيارات الأخري، ويمر بفترات تتقلص فيها قدراته علي تنفيذ مخططاته مع زيادة أخطائه وظهور أعماله الفاشلة أمام الجهاز الاداري للحكومة وأمام الرأي العام الأمريكي.

والقانون الجديد لمساعدة الديمقراطية في سورية وليد هذه الآليات التي تحكم القرار السياسي الأمريكي. فليس كل ما يصدر عن الإدارة الأمريكية شر مطلق ولن يكون خيرا مطلقا. والقيادة السورية التي طالما رددت بأنها تبحث عن وسائل التعامل مع صانع القرار الأمريكي، ولطالما بحثت عن تشكيل لوبي سوري في أمريكا ـ بدرجات نجاح أدع لها تقديرها ـ فلا بد لها من مراجعة فهمها وادراكها لتركيبة القرار السياسي في أمريكا. وكان حريا بالحكومة السورية أن تفكر مليا قبل أن تعلن الحرب علي قرار مكتب الشرق الأدني. إن تصريحات السوريين السلبية ليست سوي ذخيرة حية تقدمها لمؤيدي اسرائيل في الإدارة الأمريكية وأخطر ما في الأمر أنها ذخيرة تستعمل ضد من يدعو لتحكيم العقل في تعامله مع القضية العربية.

لا بد من رفض لـ فوضوية المحرمات :

أما التعامل مع هذه الأمور علي أنه عمالة للخارج كما هي العادة فهو أمر غير مقبول، فما زلنا نذكر بان الدكتور الأسد صرح لمذيع (سي إن إن) في الربيع الماضي بأنه ليس كصدام حسين وأنه مستعد للتعاون فالتعامل أو التعاون مع الادارة الأمريكية يجب أن لا يسقط في ديماغوجية فوضوية المحرمات. فهذه الفوضوية لن تفيد سورية إلا في التعامي عن وسائل متاحة تساعدها في صمودها وفي حركتها نحو الأمام. والاصرار علي استعمال فوضوية المحرمات له ردات فعله سيتحمل مسؤوليتها من في السلطة لاحقا، فنحن ما زلنا نذكر أن السفير السوري في واشنطن كان قد هدد في الربيع الماضي بالغاء كل التعاون الأمني والاستخباراتي بين سورية وأمريكا ومن يلوح بفوضوية المحرمات ستوجه له التهمة ذاتها باسم الفوضوية ذاتها. ومن حق السوري أن يتساءل إذا ما الذي يزعج من مشروع كهذا؟ هل مصدر الازعاج أن هذه الأموال من الممكن أن تستخدم لتوعية الناس بأهمية سيادة القانون، أو أنها قد تستخدم لتدريب الكوادر الاعلامية علي الخروج عن النص المكتوب الذي دأبوا عليه للسنوات الخمسين الماضيات؟ أم تراها ستتأثر من مشروع قد يساهم في تدريب الحركة النقابية العمالية علي المطالبة بحقوقها في هذه المرحلة الانتقالية التي يمر بها اقتصادنا؟ أم تري أن دورة تدريبية تمولها هذه الأموال لتزيد من فعالية الهيئات الأهلية و مشاركتها في مواجهة قضايا المجتمع والناس سيكون لها تأثيرها السلبي علي صمود البلاد؟

إن هذه الملايين الخمسة المخصصة لهذا المشروع ليست حكرا علي الأمريكي ليستفيد منها، وكنت أتمني أن تعلن جامعة دمشق أو كلية العلوم السياسية فيها ترحيبها بمثل هذه القوانين، بل أن تعمل عازمة علي تطوير برنامج ما تموله من خلال منحة كهذه. فإذا كان السوريون يريدون أن يبنوا جسور التواصل مع الولايات المتحدةالأمريكية، فإنه من خلال العمل علي مشاريع مشتركة كهذه سيطلع الأمريكي علي السوري في ساحة العمل البناء الحقيقية. ومن خلال مشاريع كهذه سنتمكن من خرق حواجز كثيرة لم يستطع التعاون الاستخباراتي والأمني الذي نمارسه في سراديب السياسة السرية اختراقها.

إنه كان حريا أن تري القيادة في هذا القانون فرصة سانحة لبناء ولو جسور متواضعة للحوار مع بعض الجهات الأمريكية. وإن التيار الاصلاحي في الحكم السوري عليه أن يري في هذا القانون فرصة لدعم هذا التيار داخل السلطة الحاكمة. فعوضا عن إخافة الجميع بالاتهامات الفوضوية، كان من الأصلح أن يشجع جامعات القطر والمنظمات الأهلية لاستغلال هذا القانون، فبنود القانون الجديد لا تخرج عن المساهمة في الأهداف التي طالما رددها الدكتور الأسد منذ وصوله للقصر الجمهوري، أولم يصرح أكثر من مرة أن الضغوط علي سورية هي عامل تأخر الاصلاح. فهذا القانون لا يحمل في طياته أي ضغوط ولا يمكن أن يهدد احدا الا من كان عازما علي أن يحول سورية إلي دكتاتورية.

علي المعارضة أن تملك مزيدا من ثبات القدم:

أما ردة فعل شخصيات في ما يسمي المعارضة فتعكس أيضا غياب الرؤية الحقيقية والنضج اللازم والضروري، فقد قفز البعض بتعليقه علي أنها أموال وضعت لقلب النظام الحاكم في سورية. وأكد بأنه لا يمكن أن يسقط النظام إلا بمساعدة الولايات المتحدة (أنظر أيلاف) فهذا أيضا يعكس بأن هذه الشخصيات لا تدرك حيثيات القرار الأمريكي، وأنها لا تقل تعميما وفوضوية في ردة فعلها.

فجهات المعارضة هذه تحتاج أن تخرج من اسقاط النظام كحالة ذهنية وأن تبحث عن وسائل لانضاج فكرها السياسي والحركي، وأن تتحول من مشروع اسقاط نظام إلي مشروع بناء دولة ومن حالة استجداء النظام إلي حالة حوار مع الشعب. فلن يتدخل الخارج لاسقاط النظام. كما أن النظام لن يتمكن من التحول الديمقراطي ما لم يتم توليد رؤية ناضجة للذات وللدولة لدي كوادر الاصلاح في صفوف السلطة الحالية وفي صفوف المعارضة. فهناك حاجة ملحة لتنمية قدرات العمل السياسي في منأي عن التدخل السلطوي.

كما أن المنحة لم تخصص قط اسم المعارضة السورية كمستفيد منها. فكل من يسعي لتحقيق أهداف المنحة والتي ذكرناها سابقا، وهذه الأهداف طالما كررها الدكتور الأسد في أحاديثه، يمكنه أن يستفيد منها سواء مع الحكم في سورية أم ضده. ونحن نأسف أن الخلاف الكبير علي مبلغ لا يتجاوز الملايين الخمسة، ومقارنة مع مقدار المعونات الأمريكية للدول الأخري يكاد أن يكون زهد المبلغ استهزاء بسورية معارضة ودولة، ولكنه ضمن الظروف الراهنة للعلاقة بين الدولتين، وضمن ظروف الهيمنة الصهيونية علي السياسة الخارجية الأمريكية، علينا أن ننظر له علي أنه خطوة صغيرة جدا ولكنها ايجابية، فهي من ناحية أولي تشكل محاولة وصل لسياسة القطيعة التي تتبناها الإدارة الأمريكية، ومن ناحية أخري، تشكل نقلة نوعية ما إذ تنقل التعاون بين الولايات المتحدة الأمريكية وبلدان المنطقة إلي مستوي آخر يتصل مباشرة بالمواطن وجمعياته الأهلية، بعد أن عرفنا عقودا طويلة بوجود تعاون بين الدول وأمريكا علي مستوي الحكومات حيث قصر هذا التعاون علي تزويد بلدان العالم العربي سرا بمعدات القمع وحفظ النظام التي طالما استعملها الحاكم في ترسيخ هيمنته علي السلطة.

اننا علينا أن ندرك أن هذه المنح لن تقدم لأي جماعة معينة حسب القانون الأمريكي، ولكن تقدم علي أساس مشروع محدد له أهدافه، معلوم البداية والنهاية محدد الوسائل والأهداف. وطالما أن هذه الأهداف متسقة مع الغرض المعلن من النص فبإمكان أي جهة في سورية أو خارجها الاستفادة منها ولو كانت من كوادر حزب البعث. فمن ينظر لهذه المنحة علي أنها دفعة علي الحساب لإسقاط النظام فإنما يغالط نفسه.

أخيرا يؤسفني أن أجد نفسي في موضع النقد لكل من النظام الحاكم والمعارضة معا في هذه القضية، فالأمر اخطر من مجرد خمسة ملايين دولار تستطيع حفنة من المغتربين السوريين في أمريكا أن يقدموا بدلا عنها بل ان امكانيات الجالية السورية في أمريكا تتجاوز هذا المبلغ بكثير، ولكن ما هو مهم في هذا الأمر هو حلقة الوصل التي طالما نسعي لانشائها بين بلادنا والمؤسسات الأهلية الأمريكية، وهذه المنحة خطوة صحيحة بهذا الاتجاه، فإن أردنا الحوار المباشر مع هذه المؤسسات، فمثل هذه المشاريع هو الوسيلة المرامة بحيث يتم اللقاء والحوار في ساحة العمل وليس في ساحة النزال والتهم المتبادلة، وقانون المنحة هذا، ولو كان من غير تمويل حقيقي، فإنه يعطي الغطاء القانوني للتعاون بين المجتمعين في لحظة تاريخية حرجة حيث بات مجرد التعامل مع سورية مصدر شبهة في أمريكا. إن المثل يقول بأن النصر يتحقق طلقة طلقة وفي علاقاتنا المأزومة مع الآخر فكل خطوة ايجابية مهمة علي الطريق.