كلوفيس مقصود

يبدو حتى الآن ان الحوار الوطني المنعقدة جلساته في مجلس النواب مستمر في تنفيس الاحتقان، وان جواً من الفهم المتبادل يسود، لكن الوقت لم يحن حتى يتحول تفاهماً. بمعنى آخر، ان تهدئة الاجواء صارت واردة وان لم تكن تتوافر بعد فرص لتسويات واعدة. لذا فالحوار الوطني أوجد اطارا لاخضاع الخلافات لمقتضيات اولوية التوافق، دون اصرار على اتفاق مبكر. اذاً مبادرة الحوار ادت مهمتها بتوفير حالة من انتظام التخاطب واستقامة انماط النقاش، وهذا في ذاته يشكل في الظروف الراهنة خطوة تنجز استقراراً كاد يغيب كلياً بفعل التشنّجات الحادة.

ورغم المنحى الايجابي الذي اتخذه مسار الحوار، يبقى ان المتحاورين الحاليين، رغم شرعية تمثيلهم، لا يستوفون العناصر الرئيسية كي يكون الحوار وطنيا بالمعنى الاوسع والاشمل. فتمثيل الطوائف سليم الى حد كبير، والنقص لا يكمن في هذه الناحية، بل في كون "وطنية" الحوار اقصت عن المشاركة فئة رئيسية من اللبنانيين الذين يمكن تسميتهم اللاطائفيين. صحيح ان معظم هؤلاء اللاطائفيين ينتمون حكماً الى الطوائف المكونة للساحة السياسية اللبنانية، لكنهم لا ينطلقون في مواقفهم وتوجهاتهم وسلوكهم وانتماءاتهم من طائفية طائفتهم، بل يفكرون ويعملون على أساس انتماء مباشر الى مفهوم الوطن، ويحاولون ألا تكون الطائفية جسر العلاقة بين المواطن والدولة وبين اللبناني والمجتمع.

فاللاطائفيون مقصيون عن صناعة القرار وعن التشريع، والى حد كبير عن تبوؤ مراكز في القضاء. ورغم ان لبنان الدولة يتيح لهم حرية ابداء الرأي، والسلامة لحرية التغيير الا ان المفارقة في استبعادهم من خلال النظام الطائفي، الامر الذي حرم البلاد من عطاءاتهم الفكرية وطاقاتهم المعرفية وابداعاتهم الثقافية والادبية، وحال دون ان تشكل هذه روافد تساهم في رفع مستوى الشأن العام وادارة مؤسسات الدولة بما يتناسب مع طاقة لبنان في رسالته التنويرية وجعله عنصراً رئيسياً في ان يكون النموذج البديل من حال التصدع والتفكك القائمة في ارجاء الوطن العربي الكبير.

اكثر من هذا، فاللاطائفيون – لم اعد اعرف تماما مدى حجمهم، مغيّبون عن حقوق ا لمواطنة، لأن النظام الطائفي تحديدا لا يفسح ايّ مجال او فرصة لهذه الفئة حتى تكون حاضرة في اجهزة سن القوانين ومؤسسات ادارة الدولة، الا في حال اضطرار النظام الطائفي الى الاستعانة بمهنيتها وخبراتها وتجاربها.

ونتساءل لماذا يكون الحوار الوطني القائم محصورا، او بالاحرى مكبلا بالتمثيل الطائفي؟ وهل هذا يعني انه كتب على المقاومة ان تتمثّل بالشيعة! او الاشتراكية بالطائفة الدرزية، او التوجه "الليبرالي" بالارثوذكس؟ ذلك أن بين اللاطائفيين من كل الطوائف، مقاومين واشتراكيين وقوميين وليبيراليين وعقائدئيين من مختلف المذاهب ودعاة لتيارات فكرية.

واذا اتيح للاطائفيين المشاركة في الحوار الوطني، فسيكون دورهم على الارجح ان يخرجوا موضوع الرئاسة من وضع المناكفة العنيدة واعتبار مرحلة الحوار وما بعده انتقالية، بحيث تحفظ كرامة الرئيس والرئاسة فيشارك الرئيس اميل لحود في الحوار، مستعيدا كونه حكما من خلال استقالة مشرّفة ومعللة، فيدعو الى اتمام الولاية بانتخاب رئيس يشرف على انجاز قانون انتخاب جديد تمهيداً لانتخابات نيابية، عندئذ يفسح المجال امام المرشحين للرئاسة من اجل التنافس في برامج محددة ورؤى واضحة لردم الهوة بين اصحاب الثروات والفقراء، والسعي تدريجا لازالة العراقيل من امام دور لبنان في هندسة نظام عربي قادر على احترام الكلمة العربية في ما يتعلق بحقوق العرب في فلسطين والعراق وغيرهما.

في هذه المرحلة الانتقالية، يجب ان يعمل الرئيس الموقت لتمكين اللاطائفيين من ان يجعلوا من هوياتهم اللبنانية تأكيداً لحقوقهم كمواطنين، وبالتالي تكون المرحلة المقبلة قادرة على استيعابهم مع ممثلي الطوائف في رحاب لبنان الجديد، لبنان النهضة والرسالة.