قلّما أيّد أصحاب الرأي الحر والقلم المستقل التمديدَ، سواء للرئيس الهراوي أو للرئيس لحود، أو حتى لرئيس وعمداء ومديري الجامعة اللبنانية؛ لكن المؤسف أن صوتهم لا يسمع ورأيهم لا يطاع؛ فالموضوعية لا محل لها في الصخب السياسيّ اللبناني، حتى إنه ليمكن اختراع مصطلح "معاداة الموضوعية" في لبنان. وانطلاقاً من تلك الموضوعية المستعداة يسمح القلم لنفسه بتسجيل ما يأتي: أن التمديد للرئيس لحود لم يكن دستورياً؛ لأن ما سمّي أسباباً موجبة لتعديل الدستور كان مجرد مزاعم لا صحة لها، إذ لم يكن من ظروف قاهرة تمنع انتخاب رئيس جديد للبلاد، بدليل اجتماع المجلس النيابي بأكثرية كبيرة لإجراء التعديل من غير أن يتعرض أي نائب للخطر، وكان بوسع المجلس أن ينتخب رئيساً جديداً لو جعل موضوع جلسته الانتخابَ بدل التمديد؛ زد على ذلك أن الدستور قانون أساسي عام وليست مواده مراسيم تعيين يسمى فيها الأشخاص.

لكن لم يكن دستورياً، أيضاً، انتحال المجلس النيابي صفة المجلس العدلي ليجري محاكمة جنائية تحت قبته ويصدر فيها أحكاماً، ولاسيما أن المحكوم لهم ليسوا نواباً ولا وزراء ولا رؤساء.

كذلك لم يكن دستورياً تعطيل نواب منتخبين لمجلس دستوري يفترض أن تعرض عليه الدعاوى المقامة على بعضهم؛ فقد يسوغ للمدعى عليه أن يطلب تنحّي القاضي، أحياناً، لكن لا يجوز له أن يصدر هو القرار بتنحيته ولا بتعديل النظام القضائي والقوانين التي نشأت الدعوى في ظلها.

وكل ذلك السلوك اللادستوري أحال الدولة اللبنانية مسرحاً هزلياً لا نظير له في العالم المتقدم.

أن الأمر الواقع الذي تبع انتخاب الرئيس لحود ونشأ عنه قبولٌ لسلطته من خلال تنفيذ القوانين والمراسيم التي وقعها، ومن خلال ترؤسه للجلسات الوزارية، ومن خلال تمثيله الرسمي للبنان، ومن خلال استمرار ذلك كله حتى بعد خروج القوات السورية من لبنان، منحه شرعية مكتسبة لا يصحّ إلغاؤها بأيّ ادعاء. وهي بالتأكيد شرعية أقوى من تلك التي اكتُسبت بحماية الدبابات الإسرائيلية.

أن الوزير الذي عُين بقوة تلك الشرعية المكتسبة لا يحق له أن يطالب صاحبها بالتنحي، بل عليه أن يستقيل أولاً ثم أن يطالب بما يشاء.

أن القول برضوخ النواب للضغوط السورية غير مقنع ولا يدل إلاّ على ضعف المقاومة الذاتية أو الاستسلام لمنطق المساومات. وأَسمح لنفسي من غير ادعاء البطولة، أن أزعم أنني أنا الأكاديمي الذي لا يملك أي قاعدة شعبية تعرضت لضغوط متعددة وقاومتها، فكيف بأصحاب القواعد الشعبية الواسعة؟ صحيح أن كثيراً من الشرفاء، وفي مواقع متعددة، تعرّضوا لضغوط ربما أكبر مما تعرضت له وقاوموا، لكن تعدد المقاومين يؤيد القدرة على المقاومة، واستسلام من استسلم أو ساوم لا ينفي تلك القدرة؛ وصحيح كذلك أنني دفعت ثمن مقاومتي أذىً في حقوقي المادية والمعنوية والنفسية، لكنني لم أوذَ في جسدي ولا في ضميري، والحمد لله. وتفصيل ذلك:

أن بعض الذين أُفرج عنهم من المعتقلات الإسرائيلية، أثناء الحرب الأهلية، كانوا من طلابي في الماجستير؛ وكان من الطبيعي أن يرسب في امتحان على ذلك المستوى من منعه الاعتقال من متابعة الدرس. وحين ظهرت نتائج الامتحان اعتبرها محازبوهم خيانة مني لنضالهم الوطني، وأرسلوا إليّ يطالبونني بتعديل النتائج وإلاّ... ومعروف أنّ "وإلا" في عهد الميلشيات كانت خطيرة جداً. لكن ردي كان مع ذلك: "أنا أستطيع أن أمنحهم شهادة في الوطنية بتقدير ممتاز، وأن أقرّ أنهم أفضل مني في النضال القومي، لكنني لا أستطيع أن امنحهم شهادة علمية إلا بمقتضى إجاباتهم في الامتحان". وأَعترف أنني عشت بعدها عدة أيام قلقة، ثم صدرت مجلتهم الحزبية تهاجمني بعنف، معلنة تجاوزها عن خطيئتي بسبب ما سمّته التاريخ الوطني لأسرتي.

أن ضابطاً سورياً كبيراً على قرابة شديدة بالرئيس حافظ الأسد، رحمه الله، كان تلميذاً لي في الجامعة، ونبهني أمين سر الفرع على تلك القرابة، فلم أعرها اهتماماً، ورسب الطالب في المادة التي أدرّسها له؛ فما كان منه إلا أن ترك الفرع الأول إلى الفرع الثالث في طرابلس، وتقدم هناك إلى امتحان المادة نفسها، فأحيلت مسابقته إليّ لأصحّحها، فلم ينجح إلا بتقدير مقبول؛ ومع ذلك لم أتعرض لأي أذى، ولم يسمعني أحد من السوريين بعدها أي كلمة، لا حسنة ولا سيئة! ولا يهمّني هنا التذكير بقصة ناظم الغزالي في كلية الطب، فـ"لكل امرئٍ من دهره ما تعوّدا".

وأن مجموعة من الجنود السوريين جاءوني في الفرع الأول من كلية الآداب وقالوا لي :"تفضل معنا، يريد المعلم أن يراك" وطلبوا مني أن أصطحبهم إلى ثكنتهم قرب ساحة أبو شهلا في منطقة الأونيسكو. وعندما سألتهم: "أيّ معلم، وماذا يريد مني"، أجابوني :"لا نعرف، الآن تسمع منه شخصياً". اتصلوا بالهاتف من الثكنة بـ"المعلم" ثم حشوا أنفسهم وأسلحتهم في سيارتي، ومضوا بي إلى منـزل كان يحتله معلمهم ذاك في منطقة الجناح ببيروت. كان ضابطاً كبيراً، وأصبح من بعد من صنّاع القرار في لبنان. رحّب بي بجفاف، وقدم إلي القهوة، وطلب مني أن أنجّح طالباً رسب في مادة الأدب الجاهلي؛ فكانت إجابتي له أشبه بالتأنيب، إذ قلت له: "أسوريّ يطالبني بالتلاعب بالعلامات، وأنتم في سوريا أشد ما تكونون حرصاً على سلامة امتحاناتكم؟". فبدا عليه الخجل والحرج، واعتذر معلّلاً تدخله بأن الطالب "معتّر" وأبوه عامل فقير عندهم، وبأنه لا يريد مني التلاعب بالعلامات بل مساعدة الطالب بالطرق التي أراها مناسبة، فوعدته بتوجيه الطالب علمياً لا بمساعدته في الامتحانات؛ ثم ودّعني طالباً إليّ أن أكرر زيارتي له؛ لكنها كانت الزيارة الأخيرة.

أنه على مستوى أقل خطورة، اتصل بي غير مسؤول لبنانيّ سياسيّ - وبعضُ من اتصل بي يملك سلطة على الجامعة - للتوسط لبعض طلاب الدكتوراه، فصددتهم بأدب، ورجوت منهم الامتناع من التدخل في الشؤون الأكاديمية. بل إن أحد رؤساء الجامعة اللبنانية سألني يوماً عن مصير أطروحة دكتوراه أُرسلت إليّ بوصفي أحد أعضاء لجنة المناقشة، فأجبته بأنني لا أعرف شيئاً عنها، مع أنه متأكد من وجودها في حوزتي، فاحمرّ وجهه وغير مجرى الحديث.. زد على ذلك تهديد أحد المسؤولين في كلية الآداب لي بطردي من الجامعة بعد أن رسبت ابنته في المادة التي أدرسها لها، وتهديد مسؤول آخر لي بالأمر نفسه لأنني رفضت أن أعيد النظر في نتيجة طالبة على صلة قربى ببعض رجال السياسة. إن التحرك الذي يقوم به بعض الأطراف السياسيين في لبنان من أجل إكراه الرئيس لحود على التنحي، قد يكون أضمن سبيل لبقائه وأفضل فرصة لعودة سوريا إلى لبنان، إذا كانت تفكر في العودة إليه. ذلك لأن تزاحم التجمعات والمسيرات الشعبية مجال واسع للفوضى، ثم للبحث عن منقذ منها، ولتبدل الأحلاف، وربما لانقلاب الأمور؛ ولنتذكّر ما حدث في بداية الحرب الأهلية، إذ وقّع النواب طلباً باستقالة الرئيس سليمان فرنجية، فطلب فرنجية مهلة سمحت بدخول القوات السورية إلى لبنان بدعم من الولايات المتحدة نفسها.

وفي النتيجة، فإن لحود يعمل بشرعية مكتسبة كأكثر الشرعيات اللبنانية، وإن زعم الخضوع للضغط غير مقنع بل مهين، وإن للجوء إلى الشارع مخاطر ضخمة؛ ولا يبقى، إذن، إلا الحلول التوفيقية التي تحفظ الكرامات وتحقق مطلب التنحي في وقت معاً. وأشهر الحلول التوفيقية ما اقترحه الرئيس سليم الحص والحزب الشيوعي، وهو إقرار نظام انتخابي عادل يليه استقالة النواب وإجراء انتخابات نيابية وفقاً للنظام الجديد، وبعدها يستقيل رئيس الجمهورية لينتخب المجلس الجديد بديلاً منه.

غير أن كثيراً من النواب لا يوافقون على هذا الاقتراح لأنه يكبدهم نفقات انتخابية جديدة في معركة غير مضمونة النتائج. ولذلك ينبغي اللجوء إلى خيار آخر؛ ومادامت الأكثرية النيابية تؤكد تمثيلها لأكثرية شعبية ساحقة، فيمكن أن يصدر تعديل للدستور ينص على الاقتراع الشعبي المباشر لرئيس الجمهورية، ولو لمرة واحدة، وذلك بعد أن يَعِد الرئيس لحود بالاستقالة إثر الانتخابات الجديدة وظهور نتائجها، أو أن يوافق على تضمين التعديل الدستوري المقترح نصاً باعتبار ولاية رئيس الجمهورية منتهية فور إعلان النتائج. إن الأمر يستحق التأمل والتمهل، ولا يحتمل المغامرة أو المقامرة، لأننا بحيال مصير شعب، لا مصير فرد أو جماعة؛ و"إنمّا يتذكّر أولو الألباب".