لحظة تاريخية بامتياز، تلك التي جمعت الرئيس الفرنسي مع أعضاء مجلس الشورى السعودي. عدا المغزى المتمثل بلقاء عراقتين، واحدة دينية والأخرى علمانية، هناك المسعى الواضح الى تعميق صداقة لا بد أن تقوم على الاحترام المتبادل والتفاهم، كما على المصالح والتعاون.

هذا التلاقي السعودي - الفرنسي، ومثله المصري - الفرنسي، الذي لا ينفك يكتسب حرارة وحميمية، سواء بالعلاقات الشخصية بين الحكام أو بتقارب المواقف والآراء، ينبغي تطويره وتفعيله ليصنع مقاربة أخرى للقضايا العربية تتمايز عن المقاربة الاميركية وتساهم في ترشيدها. ولعل لقاء شيراك مع مجلس الشورى يثبت مرة أخرى، برمزيته ودلالاته، ان فرنسا - وربما أوروبا عموماً - تتفهم المنطقة وشعوبها وترغب في استثمار هذا التفهم لتكون له مفاعيله المتبادلة والمتقابلة.

جاء خطاب شيراك في لحظة توتر في المنطقة، بل في لحظة اختصام مع الغرب بسبب الهفوة الدنماركية التعيسة. كما انه جاء غداة مداخلة جديدة للرجل الثاني في تنظيم «القاعدة» أدلى فيها بدلوه حول المستجد في الصراع مع الغرب. لذلك سنحت الفرصة التي استغلها الرئيس الفرنسي لتأكيد وجود مساحة اللقاء لا الصدام بين الحضارات. وليس ابسط من التشديد على «القيم الشاملة» والمشتركة، وعلى احترام تعددية الشعوب والمعتقدات والثقافات، فضلاً عن التمسك بـ «قيم التسامح». وهذا تجديد فرنسي لمبدأ عدم الرضوخ والانزلاق في ألاعيب التطرف والمتطرفين من هنا ومن هناك، وبالتالي عدم السماح للتطرف بأن يملي قواعده على العلاقة بين الشعوب والثقافات.

هذا الرفض لألاعيب التطرف والتطرف المضاد هو ما عاشته المنطقة العربية ولا تزال تعيشه، لكن مشاكلها الداخلية والخارجية المتشابكة حالت وتحول دون تظهير نهجها المسالم. وعلى رغم التعقيد الذي فرضته «الحرب على الارهاب» على العلاقة العربية - الغربية، إلا أن هذه لا تزال تنتظر من يأخذ بالحقائق المعاشة والاعتراف بها لتأسيس - أو لاستئناف - علاقة سوية بين الطرفين. من هنا ضرورة أن تنطلق مبادرات لتعميق حقيقة وإمكانية تحاور الحضارات وتعايشها، بدل الركون الى مغامرات تزيد الأحقاد وتؤجج نار الكراهية.

كان من الطبيعي ان يتطرق شيراك الى قضايا الساعة، وحسناً فعل بالحفاظ على لهجة هادئة حين تناول الملف النووي الايراني. فالمنطقة العربية، خصوصاً الخليج، باتت تتوجس من مشاريع الحروب المتوالدة إما في وسطها أو على تخومها. وإذا كان الرئيس الفرنسي حافظ على مضمون موقف بلاده من ايران، إلا أنه حرص على عدم انتهاز خطابه في مجلس الشورى السعودي لاظهار ان الأبواب باتت مسدودة أمام الحلول الديبلوماسية. بل كان شديد الوضوح عندما أشار الى قناعة مشتركة بينه وبين العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز بأن «المواجهة ليست حتمية» وأن السلام لا يزال في متناول اليد. والواقع ان النهج الديبلوماسي شهد تعثرات وأخطاء أدت الى انهياره، لكن تفادي اللجوء الى الخيارات العسكرية يستحق مبادرات سلمية وتفاوضية أكثر جدوى، وأي تهاون أو تردد سيعطيان الولايات المتحدة واسرائيل مزيداً من الفرص للذهاب الى استخدام القوة بما ينطوي عليه من مخاطر على استقرار المنطقة وشعوبها. وحين تمسك شيراك بضرورة ان تغير سورية سلوكها إزاء لبنان فإنه أطلق إشارة جديدة الى ان فرنسا لا تعمل على أجندة لتغيير النظام في سورية.

وهو لم يحد عملياً عن الرسائل التي كان بعثها مراراً الى دمشق، قبل اغتيال الرئيس رفيق الحريري، ناصحاً بـ «تغيير السلوك: قبل ان تتفاقم الضغوط الدولية على سورية. صحيح انه لم ينتهز اطلالته السعودية ليقول ان «اليد ممددوة» الى دمشق، كما قال بشأن ايران، إلا ان لهجته ظلت في حدود ما باتت سورية تعرفه جيداً عن الموقف الفرنسي حيالها.

أما موقف شيراك من الملف الفلسطيني فلعله كان الأضعف والأقل حنكة، خصوصاً انه لم يجد سوى الشروط الاسرائيلية للرد على فوز «حماس» في الانتخابات. فباريس تعرف ان هذه الشروط كانت السلطة الفلسطينية قد لبتها، لكنها لم تحصد من الجانب الاسرائيلي سوى التعنت والعدوان. لا شك ان الموقف الفرنسي يحتاج هنا الى تطوير، فالمسألة تتعلق قبل «حماس» وبعدها بمدى اتجاه اسرائيل نحو السلام. وللسلام شروط أيضاً لا تزال اسرائيل ترفضها وتتحايل عليها.

يبقى ان زيارة شيراك للسعودية، بما اثبتته من صداقة ومن استعداد متجدد لتطوير التعاون والمصالح، هي فرصة طيبة لاستكشاف آفاق التفاهم وامكانات التأثير في مجرى الأحداث بعيداً عن التشنجات والغطرسات التي لم تؤد إلا الى احباطات هنا وهناك.