يدعيوت أحرونوت

مرتين شرمن (محاضر في قسم العلوم السياسية بجامعة تل أبيب)

نادرة هي الحالات التي يتبيّن فيها أن جميع الفرضيات الأساس لخطوة سياسية متعددة الدلالات، ذات الانعكاسات الاستراتيجية الحاسمة والبعيدة المدى، باطلة وغير مدروسة في مثل هذه الفترة الزمنية القصيرة وبهذه الشدة، كما حصل في حالة فك الارتباط. فالواقع السائد اليوم هو نسخة دقيقة عن التحذيرات التي أطلقها المعارضون لفك الارتباط والمتعلقة بمخاطر هذه الخطة، وهو يشكل نقيضاً شبه دقيق لوعود المؤيدين لخطة فك الارتباط لجهة مزاياها. فبعد نصف سنة على تنفيذها، لم يعد ممكناً التهرب من الخلاصة الحاسمة التي تفيد أن خطة فك الارتباط كانت منذ لحظة تبلورها فشلاً مأسوياً معروفاً مسبقاً. فتنفيذ هذه الخطة لم يُحقق أي من أهدافها الإيجابية التي كان من المزمع أن تتحقق؛ كما أن تنفيذها لم يمنع أياً من المخاطر التي كان المفترض الحيلولة دونها. وها نحن نشهد بأمّ أعيننننا أن كل التوقعات التشاؤمية آخذة في التحقق، بينما تأخذ بالتلاشي كل التوقعات الوردية. وهذا الأمر صحيح على امتداد كل قوس المستويات الممكنة: الأمني، السياسي، الاقتصادي وربما الأهم من كل ما سبق المستوى القيمي ـ الأخلاقي. على المستوى الأمني: الوقائع تصرخ بحد ذاتها. فخلافاً للأمل في أن يؤدي إخلاء قطاع غزة وتدمير مشروع الاستيطان وإنهاء الاحتكاك بين الجيش الإسرائيلي والسكان المحليين، الى وقف (أو على الأقل تخفيض) إطلاق صواريخ القسام من داخل الأرض التي تم إخلاؤها، نرى تزايد إطلاق صواريخ القسام على المستوطنات وعلى التجمعات السكانية داخل الخط الأخضر وصولاً الى مشارف أشكلون، وعلى مجموعة من المنشآت الاستراتيجية الحيوية. وحتى من دون البيانات الأخيرة الصادرة عن المنظمات الإرهابية حول تحسين مدى وشدة الرؤوس المتفجرة، كان يمكن معرفة أن توسيع قوس القتل وزيادة شعاع الدمار هي أمور حتمية، وكذلك بالنسبة لتعرض أجزاء متزايدة من الجمهور لتهديد القذائف ـ التي لم نسمع حتى الآن أي نصيحة حكومية حول كيفية التصدي لها، سوى "تعزيز سقوف المنازل". كما كان من السهل أيضاً توقع تطوير قدرة السلاح الذي في حوزة الفلسطينيين، ذلك أن الساذج وحده اعتقد أن انتشار القوات المصرية مكان الجيش الإسرائيلي على الحدود الجنوبية لقطاع غزة سيشكل حاجزاً ناجعاً في وجه التيار المتزايد للوسائل القتالية المهرّبة الى داخل القطاع المُخلى، ومن شأن هذا السلاح، بحسب الخبراء، أن يخل بالتوازن الاستراتيجي. على المستوى السياسي: الصورة ليست أقل سوداوية. فكثيرون حذروا من أن الخروج من غزة سيعزز مكانة المتطرفين في أوساط الفلسطينيين. في المقابل، ادعى مهندسو فك الارتباط، أن هذا الأمر سيعزز تحديداً أبو مازن والمعتدلين. لكن أتت الانتخابات في السلطة الفلسطينية وجلبت معها الحسم: "في نظر أكثر من 80 في المئة من الجمهور، يُعتبر فك الارتباط انتصاراً للمقاومة المسلحة" وفق ما أظهره الباحث الفلسطيني في مجال استطلاعات الرأي العام الدكتور خليل الشقاقي. هذه النتيجة تمثل بشارة سيئة بالنسبة لكل من يعتقد أنه يمكن التوصل الى تسوية مع الفلسطينيين عبر المفاوضات، وكذلك بالنسبة لمن يعتقد خلاف ذلك. وبالنسبة لكل من آمن بالتسوية ـ فإن كل سلطة فلسطينية مستقبلية ستواجه صعوبة منذ الآن في عرض مقابل ما في المفاوضات مع إسرائيل؛ وبالنسبة لكل من لم يؤمن بالتسوية ـ فإن كل سلطة إسرائيلية مستقبلية ستجد صعوبة كبيرة لإرغام الفلسطينيين بالقوة على هجران طريق العنف والعداء، التي تُعتبر في نظر كثيرين الطرق الوحيدة التي أثبتت نفسها. لكن ليس ثمة أمر يجسد الفشل الذريع أكثر من تصريحات أولمرت نفسه والانعطافة نصف الدائرية الدراماتيكية التي اضطر الى القيام بها خلال يوم واحد. فقبل أسابيع معدودة، تباهى بـ"العملية والأفق السياسي" الذي أوجده فك الارتباط. لكن ما يثير العجب هو أنه فور انتصار حماس ـ الذي هو النتيجة الحقيقية للانسحاب ـ غير مفاجأة لهجته. فجأة تبخّرت العملية السياسية والأفق السياسي. والآن "ليس هناك من شريك" و"ليس هناك من يمكن التحدث معه". وهذا ما حصل غداة الخطاب الذي ألقاه في موتمر هرتسليا. على المستوى الاقتصادي أيضاً يبدو أن كل التوقعات ظهر بطلانها. وكما هو معروف، وعد مؤيدو الإخلاء بأن كل الموارد التي سيتم توفيرها ظاهرياً جراء انتهاء عبء الاحتلال، ستكون جاهزة لتحسين البنى التحتية، للقضاء على الفقر ولتطوير المناطق الحدودية. لكن مع مرور الزمن، تتضح أكثر الأثمان الباهظة الكامنة في تنفيذ فك الارتباط وفي التصدّي لانعكاساته. فإزاء الهجمات بصواريخ القسام على مستوطنات غلاف غزة، تتصاعد أيضاً المطالب لتحصين البيوت المكشوفة. ومع تحسين مدى الصواريخ وفعاليتها، ستتسع أيضاً دائرة المستوطنات التي تحتاج الى تحصين أسقف منازلها. وفي مصلحة المياه يحذرون من أن فك الارتباط أوجد تهديدات خطيرة على مرفق المياه الوطني، مثل تدفق مياه الاستخدام من غزة، التي من شأنها شل منشأة التحلية في أشكلون. كما يخشون أيضاً من أن الضخ غير المُراقب شمال الضفة سيؤدي الى ارتفاع نسبة الملوحة والتصحّر للمنطقة كلها (أي السهول الشمالية داخل الخط الأخضر)، وإلى المسّ بجودة حياة السكان، وستقضي على الزراعة والسياحة وستفكك الأُطر الاستيطانية التي توحد هذه المناطق. وبحسب مصلحة المياه، توجب عملية التصدي لتلك التهديدات بالقيام باستثمار المليارات. على المستوى القيمي: المس الشديد والأطول الناجم عن فك الارتباط يلحق بالأسطورة الصهيونية ـ القومية. لقد حصل شيء ما على صعيد مميزات أهداف القوات الأمنية للدولة اليهودية. فبدل الاعتراف بواجب تعرض النفس للخطر من أجل الدفاع عن اليهود لكونهم يهوداً، تلقى الجنود ورجال الشرطة أوامر بإخراج اليهود من بيوتهم. من خلال هذا السلوك، سحبت الدولة من تحت أرجلها كل أساس للمطلب التقليدي تجاه العام بعدم التخلي عنها لمصلحة أعدائها. ذلك أنه إذا كانت مستعدة لرفع تأييدها للمستوطنين والتخلي عنهم بغية مصالحة العدو، فعلى أي أساس أخلاقي ستطلب من العالم، ولا سيما من دول الغرب، عدم رفع تأييدها لها وعدم التخلي عنها من أجل مصالحة العالم العربي والإسلامي؟ علاوة على ذلك: إذا تخلّت الدولة عن محور فيلادلفي ـ الذي هو "ضرورة أمنية وجودية"، الذي ضحى مقاتلون كثيرون بروحهم دفاعاً عنه ـ فلماذا سيصدقونها في المستقبل عندما سيُطلب منهم تعريض حياتهم للخطر دفاعاً عن مصلحة حيوية أخرى؟