صدى البلد

يبدو أنها ليست مجرد مصادفة ان تتطابق ردود الفعل الفرنسية والسورية حيال الحوار اللبناني الجاري. والأهم أن المسألة لم تتزامن صدفة أيضاً مع زيارة الرئيس الفرنسي جاك شيراك الى السعودية. فالمعلومات المتوافرة من العاصمة الفرنسية تشير الى عودة الاتصالات على خط باريس ــ دمشق، وذلك بعد نجاح المساعي العربية في تليين الموقف السوري، ونجاح المأزق اللبناني في تليين الموقف الفرنسي المقابل. وتكشف المعلومات نفسها ان مسؤولاً سورياً رفيع المستوى، هو اللواء آصف شوكت، صهر الرئيس السوري بشار الأسد ورئيس أحد أبرز أجهزة النظام، زار العاصمة الفرنسية يوم الأربعاء الفائت. وفي حين ظلت هذه الخطوة بعيدة عن الاعلام والاعلان أشارت المعلومات نفسها الى أن شوكت عقد سلسلة من اللقاءات السياسية مع مسؤولين فرنسيين لا بل ثمة اعتقاد بأنه التقى شيراك نفسه عشية سفر الأخير الى الرياض. ولتقويم أهمية هذا الخبر تذكر المعلومات نفسها بأن شوكت كان قد زار باريس أيضاً قبل أشهر، لكن المحصلة السياسية لخطوته آنذاك بدت سلبية، بدليل استمرار حملات السجال العنيف بين البلدين. وهذا ما دفع الجهات المعنية يومها الى تسريب صيغة تقول بأن زيارة صهر الأسد كانت شخصية وعائلية الطابع، وترتبط باتصالات يقيمها مع بعض أبناء عم زوجته. أما اليوم فتبدو المعلومات أكثر "تفاؤلاً" حيال لقاءات شوكت الفرنسية، مستدلة على ذلك بتطابق المواقف الأخيرة للبلدين من الوضع اللبناني، كما ببعض اشارات ايجابية في حديث صحافي للرئيس شيراك قبل يومين، وصولاً الى الكلام عن حضور الملف اللبناني في جدول اعمال الزيارة الرئاسية الفرنسية الى السعودية. ورجحت المعلومات نفسها أن تكون ثمة رزمة سورية ــ فرنسية أيضاً، قد تعامل معها شوكت في باريس، مماثلة للرزمة اللبنانية ــ السورية المطروحة في الحوار البيروتي، من دون اغفال بعض الخصوصية الطبيعية لجدول أعمال الحوار المفترض بين دمشق وباريس. لكن المرجح ان شوكت بحث في الملف اللبناني و"متفرعاته"، كما في ملف العلاقة الفرنسية ــ السورية، وملف التحقيق الدولي في اغتيال الرئيس رفيق الحريري، في آن واحد. وتضيف المعلومات أن محور الملف اللبناني يمثله الاستحقاق الرئاسي الذي تصنفه باريس أولوية مطلقة في اهتماماتها اللبنانية، حتى أن دوائر الاليزيه تتعامل معه بذاتية مفرطة، ظهرت بوادرها في طرح عدد من المرشحين الرئاسيين ممن يحملون الجنسية الفرنسية اضافة الى اللبنانية. أما العلاقات السورية ــ الفرنسية فمحورها المصالح المشتركة، والتي كانت كافية قبل أعوام لاقناع الادارة الفرنسية الحالية نفسها باعطاء الدعم الكامل لبشار الأسد، من دون العودة بالذاكرة الى العامين 1996 و1997، يوم تمكن الرئيس رفيق الحريري من اقناع شيراك بدعم بقاء الجيش السوري في لبنان، حتى ما بعد التسوية السلمية النهائية في الشرق الأوسط. أما ملف التحقيق الدولي، فغني عن القول أن ثمة نقطة مشتركة كافية فيه لإطلاق الحوار السوري ــ الفرنسي، وهي تلك المتعلقة باطلاق سراح الشاهد ــ المتهم في قضية الحريري، محمد زهير الصديق. ذلك أن التفسيرات لهذه الخطوة الفرنسية المفاجئة، لا تزال مترددة بين اعتبارها لصالح الذين ركبوا افادة الصديق، أو لصالح سورية نفسها في الملف. علماً أن المعلومات الباريسية لم تستبعد أن تكون زيارة شوكت قد تناولت قضية الصديق بالتفصيل والاسهاب، إن لجهة التحقيق معه أمام السلطات الفرنسية، أو لجهة مصيره ومكان اقامته المستقبلي، خصوصاً أنه مواطن سوري. هل يمكن أن تشتمّ من هذا الكلام رائحة العودة الى السياسة السورية لباريس كما كانت عليه ايام الرئيس الحريري أو الى عهد الصفقات على حساب لبنان؟ طبعاً لا، تجزم مرة جديدة ومتكررة المعلومات نفسها. لكن ما يحصل يجدد الشعور لدى الكثيرين من المعنيين بالملف اللبناني، بعدم الثقة بالادارة الفرنسية الحالية، ويُذكر بالماضي الثقيل لسيد الإليزيه الحالي، منذ صفقة الرهائن الفرنسيين في بيروت ربيع العام 1988، وصولاً الى كونه أول رئيس فرنسي يزور لبنان من دون ان تكون له محطة بطريركية في بكركي، مروراً بخطابه الشهير في مجلس النواب اللبناني حول الوجود السوري. فيما الاستحقاق اللبناني المرتقب محوره انتخاب من يمثل أبناء بكركي في النظام، للمرة الأولى بعد تحرّره من السوريين.