لؤي حمادة

في طل الكم الهائل من تبادل التهم واستنزاف المبادئ الاساسية لقضايا الامة العربية التي نهضت بها في القرن الاخير, يقف مواطن هذه المنطقة امام تناقضات حادة, تشوش رؤيته بما يجري, فقد اجبر على ان يدخل قاعة المحكمة ويأخذ دور القاضي امام هذا الكم المخيف الذي تفرزه وسائل الاعلام عقب جريمة اغتيال الحريري.

تحت هذا الضغط الكثيف وهذا المساس المباشر بكافة الاوراق كيف يمكن ان نصل الى الحقيقة, بعيدا عن التسييس والادلة المادية، اذا علينا اولا ان نبسط الامور اكثر علنا أن نقترب من فهم ما يجري على الساحة الان....

يقول ديكارت: للوصول الى الحقيقة يجب اولا العودة الى بديهيات العقل المجرد والايمان بالمسلمات الاولية الغير قابلة للشك والاعتماد على القاعدة الاولى للتفكير وهي البداهة....وفي الرياضيات هناك قاعدة اولية بسيطة مثبتة لحد الان تقول بأن المستقيم الموازي لأحد مستقيمات متوازيان يكون مواز للأخر على مستوى السطح.

الان دعونا نحدد هذا السطح ونتابع حركة هذه المستقيمات لعلنا نصل ونرى اين تتوازى واين تتقاطع وان تتطابق!!؟

فادا كان المستوى هو دائرة الأحداث حيث تدور وتتماهى المستقيمات وهي النظام المصري والسعودي والأردني والعراقي واللبناني والفلسطيني والسوري. اذا لنرى مؤشرات هذه الأسهم من حيث مجموعة التعريف وهي أساسيات النظام السوري وقضاياه وثوابته الوطنية التي يناضل لتحقيقها وهي سبب وجوده في البوتقة حتى الان وهي الوحدة والحرية والاشتراكية وتحرير الأرض والإنسان وتحرير فلسطين ومقاومة الإمبريالية والصهيونية والرجعية المتمثلة ب (الغرب وأمريكا وإسرائيل) هذا غير التضامن العربي والى ما هنالك من تخوين كل من يتحالف مع الأعداء في وجه تطلعات ومبادئ هذه الأمة.

اذا اتفقنا الى هنا وحتى الان ... دعونا نرى حركة مؤشرات هذه الاسهم ضمن هذه الدائرة ومعطياتها الاولية.
-  حركة النظام المصري واضحة باتفاقية سلام مع إسرائيل وعلاقات ممتازة معها وحلف وليس تعاون استراتيجي لأمريكا في هذه الدائرة فمصر تتلقى الدعم الثاني من أمريكا بعد إسرائيل مباشرة وهذا ذو اقتصاد غير اشتراكي...الخ
-  اما النظام السعودي ايضا واضح فهناك علاقات أكثر من ممتازة واستراتيجية مع أمريكا الحليف الاقتصادي والعسكري الرادع في المنطقة حيث مركز العالم الإسلامي.
-  اما الأسهم الأردنية فهي لاتقل ارتفاعا عن مثيلاتها من علاقات سلام مع العدو الاسرائيلي وحلف امريكي وبريطاني ايضا.

هذه الاسهم قديمة و معروفة منذ زمن بنقاط ارتكازها.

اما الان ولكي تكتمل الصورة فهناك مؤشرات جديدة ترتفع, ففي الشرق نجد حكومة عراقية وضعت الانظمة على المحك فهي برأيهم منتخبة ديمقراطيا وعلى الطريقة الامريكية (المرفوضة) لكنهم اعترفوا بشرعيتها... هذه الحكومة التي لا تخشى من ان تعلن صراحة اهمية استمرار الوجود –الاحتلال- الامريكي على اراضيها بما يقدمه من دعم اقتصادي وديمقراكي وامني يساهم في الاستقرار فهي ليست حليف فقط بل نموذج امريكي حديث الولادة تقدمه للمنطقة. اما الولادة الاخرى فهي من الغرب حيث تدور وتصب عندهم كل المراهنات, ففي لبنان ظهرت مؤخرا قوتان (قوة 14 آذار) المتعاونين فقط حتى الان مع المشروع الغربي من اجل الضغط على سوريا والنيل من مواقفها الثابتة تجاه الامة العربية وهم اغلبية بعد الانتخابات الاخيرة والتي اعتبرتها امريكا ديمقراطية على عكس سوريا. وقد صنفهم النظام السوري ولوحدهم تحت خانة العملاء.وبقي هناك ما يسمون انفسهم بالقوى الوطنية والشريقة.. لكن اذا عدنا قليلا الى الوراء وراقبنا حركة هذان المستقيمان نجد انهم كانوا اكثر من متوازيان بل متلاقيان من اجل خوض المعركة الانتخابية وتحاصص المقاعد النيابية. والان نشهد شبه توازي بين التيار العوني (المؤسس للقرار 1559 وحليف امريكا والعدو السابق واللدود لسوريا ولسلاح حزب الله) و القوى الوطنية الاخرى من اجل المعركة الرئاسية.

اما في فلسطين فهي دائما وابدا المركز وظل اسقاطات جميع الاسهم حيث الامور اكثر تعقيدا.

هكذا تكتمل وبشكل مبسط بورصة اسهم الشرق الاوسط الجديد فيرسم خط بياني لحركة هذه المستقيمات نرى بوضوح اين تتلاقى واين تتقاطع واين تتطابق بل وكيف تخرج واين تصب؟!! كيف تدار الأزمات وكيف يتم المساس واللعب بمعتقدات هذه المنطقة..

لقد قدم الاعلام اللبناني (في ثورة إعلامية قلما تتكرر) كشفا لجميع الأوراق والمناورات التي يفاوض بها سياسيو هذه المنطقة.

اخيرا, ربما استطيع ان اتفهم السياسة لنيل المكاسب لكن الرقص على الانغام المتناقضة امر آخر مضحك لا بل خطر بالذات على حافة هاوية الشرق الاوسط, فمن سيسقط يا ترى!! أهي الأنظمة ام الأفكار ام المعتقدات والثوابت وما هي القرابين التي ستقدم في النهاية...

اصبح الرهان على الوجود, لكي تدخل المنطقة اخيرا في الشرق الاوسط الكبير. شرق اوسط غامض النتائج حتى الان لانه تحول الى حقل تجارب تمارس عليه كافة الاسلحة الفتاكة العسكرية والاقتصادية والطائفية والاعلامية والفكرية والدينية. ان السنين القادمة غامضة والمؤشرات غير واضحة المعالم والجميع على المحك فهل من ابطال وقادة حقيقيين يمكنهم السير الى شط الامان.... يبقى السؤال مطروحا في من المجرمون ومن هم الضحايا وما هي الحقيقة؟!!!