من أين جاء الرئيس برّي بهذا الولع المستجدّ بالحوار؟ من سلّطه علينا كي يعكّر مزاجنا اليوميّ؟ المزعج فعلاً أنّه دعا إلى حوار مترافق مع عبارات من نوع <<الفشل ممنوع>> أو <<نحن محكومون بالتوافق>> أو <<اللبنانيون يعوّلون كثيراً على هذا الحوار>>، و<<لا يمكن أن نخذل الشعب اللبناني>>. هل حاول الرئيس برّي ومعه المجتمعون الكرام، التسويق لفكرة أنّنا، نحن اللبنانيّين، ننتظر بشوق الاتّفاق والتفاهم في ما بينهم، والعودة إلى أجواء التهدئة وأيّام الودّ بين الزعماء المتخاصمين؟ تصوّروا أن تعود البرامج التلفزيونية الحوارية إلى برودتها السابقة، وأن تعود عناوين الصحف المختلفة لتتشابه مؤكّدة كلّها على أجواء الوفاق. فيمرّ أسبوع كامل من دون <<تصريحات نارية>>، ومن دون تظاهرات، ومن دون مفاجآت سارّة أو محزنة. كيف سنتمكّن كلبنانيين من تحمّل كلّ هذا الملل؟

تصوّروا أنّ تنتشر بدعة عدم التسريب، فتعمّ حياتنا السياسية. هل يظنّون أنّ بإمكاننا العودة إلى حين كانت النشرة الجوية تعتبر قمّة تسليتنا؟ ليكن معلوماً أنّ لا عودة إلى الوراء. ففي السابق، كان الوجود السوري حاضراً، وكانت التصاريح كلها تتشابه والخلافات مضبوطة. أمّا الآن، وبعد ثورة الأرز، لن نرضى بذلك. ألا يكفينا أسبوع من التهدئة تحمّلنا فيه أطنان المجاملات ولم نعش سهرة تصارع واحدة. ماذا يريدون؟ أن نترك بيوتنا وشاشاتنا ونذهب إلى السينما مثلاً لنتسلّى؟ تصوّروا أن تخفّ حدّة الطائفية فنعود إلى الحديث عن الوطن الرسالة الذي يتعايش فيه الجميع ويحبّون بعضهم بعضاً، ونستذكر قداسة البابا كلّما حيّا أحدنا الآخر. تصوّروا أن نُحرم من رؤية <<مليون>> بشري في الشارع كلّما رفع زعيم يده، وأن تتوقّف شعارات السخرية من سياسيّي الضفّة الأخرى.

تصوّروا أن يتّفقوا على انتخاب رئيس جديد للجمهورية. تخيّلوا كم سيكون مملاً السيناريو. يتّفقون على الاسم. <<يقنعون>> الرئيس الحالي به. يقدّم الرئيس استقالته من أجل المصلحة العامة. يدخل النواب البرلمان، وينتخبون الرئيس العتيد. ثمّ يأتي إلينا هذا الرئيس <<قابض حالو جد>> هذه المرّة ويجلس على الكرسي الأول ويتصرّف كلبناني أوّل انتدبه التاريخ شخصياً لبناء الدولة اللبنانية الحديثة في هذا الظرف العصيب.

يجب القول إنّ الرئيس برّي لم يكن وحده مسؤولاً عن تهديد الشعب اللبناني بإعادته إلى إيقاع الحياة الرتيبة التي لا تستحقّ العيش فعلاً. ولعلّ شريكه الأساسي في ذلك هو البطريرك الماروني. فماذا يريد هو الآخر؟ فمع الاحترام الكامل للمقامات الروحية كافة، علينا الاعتراف بأنّ المأساة الحالية بدأت فعلاً مع التوافق على بيار دكاش. فهل هناك شعب عاقل في العالم يفوّت على نفسه متعة انتخابات بعبدا عاليه في هذا الظرف بالذات؟ كانت معركة <<كسر عظم>> سيشترك فيها نجوم الصف الأوّل، جنبلاط والحريري وجعجع وعون ونصر الله، دفعة واحدة. استبدلنا كلّ ذلك بلقاء في بكركي لإهداء التوافق إلى البطريرك؟ ورمينا خلفنا ليالي طوالاً من العروض التلفزيونية من أجل صورة تذكارية لجورج عدوان وابراهيم كنعان؟ على الرغم من كلّ ذلك، لم يكتفِ غبطته بهذا الحدّ. فقد مضى في متابعة حرماننا من متعة العيش، ولم توفر دعواته إلى التهدئة أولئك الذين <<زمطوا>> من الحوار. فأصرّ على العمل، في زمن الشحّ هذا، على مصالحة بين سليمان فرنجية ونائلة معوّض. فبدلاً من التصاريح المليئة بالفضائح والتحديات والنكات، ها نحن نعود لنتحمّل الترهات من الحديث عن مصلحة زغرتا إلى التغنّي بمصلحة الطائفة. فشل الحوار؟ تنفّس اللبنانيون الصعداء. فمن حسن حظّهم، أنّ ثمّة لاعباً لا يمكن أن يخيّب آمالهم. فهو في معرض الإعلان الدائم عن عرضه المتواصل.