نجيب نصير

بلا شك يتجه المفكرون باقتصاد المعرفة والباحثون فيه إلى اتجاهات عملية تضعه على أرض الواقع مسهلة ( نظريا ) إمكانية أقامته، وهم لا يغالطون الحقيقة في أنه إذا أردت شيئا فابدأ في تنفيذه ومن ثم تطويره والارتقاء به، ولكن وفي حسابات الإمكانيات والنتائج فأن اقتصاد المعرفة سوف يولد معاقا شأنه شأن الاقتصاد ( العادي ) والذي ولد حسب الاولويات والاسعافيات وسد الثقوب، ليس لأنه يقفز بين العلم والمعرفة قفزات غير واضحة علميا ومعرفيا بل لأنه ينقصه معرفة الاقتصاد بحاله البدئي ناهيك عن حاله المركب والمتغير في هذه الأيام، وليست الشعارات الاقتصادية مثل الكفاية وتوزيع الموارد والتنمية (والتي في حقيقتها هي عمليات اقتصادية واقعية ) سوى حبر سريع الزوال بمجرد تعرضه لشمس الواقع، فاقتصاد المعرفة يخضع هو أيضا لتعريف الاقتصاد أي إنتاج السلعة في اقصر وقت وفي اقل تكلفة، وبعدها سمه ما شئت: معرفة أم زراعة أم صناعة، ولعل الخصوصية التي يتمتع بها اقتصاد المعرفة هو ان الصفر الإنتاجي هو الإبداع وممارسته ولكن أين يوجد إبداع دون حواضن تسهل انطلاقته وعمله.

فإذا كنا نفكر بأرقام تنموية ( والأرقام بطبيعتها محايدة ) من خلال اقتحام قطاع جديد من قطاعات الإنتاج فأن الأرقام المؤسسة معرفيا غائبة كما ان الحواضن التي سوف تستقبل اقتصاد المعرفة هي نفسها حواضن كلاسيكية أثبتت فشلها، كما ان المجالات المفتوحة أمام اقتصاد المعرفة هي مجالات محدودة لأنها محكومة بواقع ضيق للغاية حتى على الاقتصاد العادي ( البقاليات والبقاليات الإفرنجية ).

في عالم اليوم لم يعد هناك من يعتبر ان سوقه هي بلاده المحددة بقوانين وتشريعات ( أختام وتواقيع ) فالتصدير هو لب الحياة المعاصرة منذ انطلاق الثورة الصناعية والاكتفاء الذاتي هو المقدرة على تسويق الإنتاج الذاتي عبر الحدود وخارج هذا الأداء يتحول الاقتصاد إلى بقاليات تحسبها على اشتري بتسعة وبع بعشرة كي تظهر شطارتك للجميع، دون حساب الفارق بين منتج ومستهلك ويعم الرخاء المؤقت لنكتشف ان أرقام التنمية (الحيادية ) انها في تراجع خطير لأن العملية برمتها استهلاكية ولا تمتلك للصفر الاقتصادي، والمعيقات واضحة وصريحة ولا أحد يجرؤ على المساس بها أو حتى معرفتها ( وليس العلم بها ).

واليوم لم يعد التصدير كآلية اقتصادية استراتيجية محكوما بما تتطلبه السوق كما التفكير الكلاسيكي، بل فرض السلعة على السوق عبر فرض موجبات استهلاكها، وببعدنا عن مفهوم التصدير الكلاسيكي ناهيك عن الحداثي، فأن هكذا نوع من الاقتصاد يشبه من يأكل من لحمه معتبرا ان المسألة مجرد ألم نستطيع التأوه منه ببساطة و ( حرية ).

إذا ماذا يشمل اقتصاد المعرفة المأمول ؟؟؟؟

على الأقل على الأقل معرفتنا بالاقتصاد نفسه أولا وكمعرفة ومن ثم معرفة المعرفة التي نريد تقصيدها، وهل هي مناسبة لمعارفنا القانونية والحقوقية، ؟ حيث تبدو المسألة معرفية في المقام الأول فهل بإمكاننا توظيف حواضن ( رؤوس أموال + تشريعات ) في خدمة أرقام تنموية نراها نظريا ممكنة ؟ هل هناك مقارنة حقيقية بين الواقعي والنظري ؟ ربما كان هذا مقدمة بسيطة لاقتصاد المعرفة وبعدها يمكننا السؤال هل نوظف الإمكانيات في الدرامة التلفزيونية أم في أبحاث الأدوية أم في وادي سليكون أم في أبحاث الزراعة في المناطق القاحلة الخ الخ، ومن يستطيع ذلك في بلداننا ؟ أو من يستوعب ذلك معرفيا ؟

لم يتطور اقتصاد المعرفة لا من اقتصاد البقاليات المستوردة لكل شيء و لا من مأسسة الفساد الذي يعتبر كالقضاء الذي لا راد له، انما جاء من المواكبة اليومية للعلم والمعرفة في ظل التطلع إلى سوق اصغر وحدة فيها هي العالم برمته.