د. إقبال الغربي (الأزمنة العربية)

إن المتأمل في المشهد الإعلامي يلاحظ أن «ظاهرة الدعاة الجدد» ليست جديدة في حد ذاتها وأنها ليست وليدة السنوات الأخيرة، لكنها بلغت ذروتها في السنوات الأخيرة، مع تزايد أعداد الجمهور، وانتشار الصالونات الإسلامية، ودروس المساجد، ثم القنوات الفضائية هذا الوسيط الإعلامي والواسع الانتشار. ومما يلفت الانتباه علاقة الدعاة الجدد بالفنانات المعتزلات ورجال الأعمال المتدينين، وتتجاوز هذه العلاقة الأطر الشخصية والذاتية لتنسج علاقات موضوعية، وصلات تبادل، ودعم، بين مراكز تجمع دينية جديدة تختلف عن الجماعات الراديكالية، وتختلف أيضا عن المؤسسة الدينية التقليدية، وبين فئات اجتماعية تملك الرأسمال الرمزي (الشهرة) أو الرأسمال المادي (الثروة) ولكنها تفتقد إلى المشروعية الدينية.

وتعتبر ظاهرة عمرو خالد ظاهرة طريفة، ويُعد عمرو خالد أول داعية إسلامي يستخدم القنوات التلفزية وشبكات الانترنت في عمله الدعائي. ما يمارس هذا الداعية هيمنته على مشاهديه عن طريق استدرار الإعجاب وسحر البيان وتقديم إسلام جديد شخصي ,معقم ,متناغم مع الواقع اليومي. ويناقض عمرو خالد الشاب ً النموذج المعتاد للخطيب الإسلامي بابتسامته وصغر سنه وزيه الغربي الأنيق، بل وتعدّت شعبيته لدى فئتي الشباب والنساء شعبية الفنانين والمغنيين المشهورين وحاز موقعه على الشبكة على زوار أكثر من مواقعهم. بل إن الارتباط بعمرو خالد واستضافته المكلفة هو نوع من الوجاهة الاجتماعية التي تحرص عليها الأسر المصرية الثرية.

وسنحاول في هذا المقال فهم أسباب تعلق نساء المسلمين بشخصية عمرو خالد وافتتانهن به وهو ما حوله إلى معبود للجماهير النسائية. ومن المعروف أن فهم أي ظاهرة اجتماعية يستدعي إلقاء نظرة متأنية وعميقة لسبر أغوارها.

النساء اللواتي يتعاطفن مع الخطاب الأصولي المعادي لهن استبطن عبوديتهن ودونيتهن فهم ضحية العنف الرمزي. هذا العنف الهادئ اللام رئي واللامحسوس حتى بالنسبة لضحاياه. ويتمثل العنف الرمزي في مشاركة الضحية في تصورات جلاديها عن نفسها وعن المجتمع وعن العالم وأن يعتبرا معا هياكل الهيمنة والاستغلال من المسلمات والثوابت. فالعنف الرمزي هو الذي يجعلنا نعتبر دونية المرأة لا كواقعة تاريخية وثقافية بل كظاهرة فطرية طبيعية لا تحتمل المسائلة والتشكيك وعكسها هو العجب!

السؤال المطروح الآن هو من المسئول عن هذا الوضع وما هو المخرج منه ?

توجد عدة عوامل موضوعية وذاتية معقدة ومتداخلة تجعل المرأة المسلمة تتشرب الخطاب الأصولي. نذكر منها :

العزلة الاجتماعية

تؤكد آنا ارندت في وصفها الدقيق للنظم الشمولية أن ما يتميز به رجل الحشد ليس البربرية أو التخلف الذهني بل العزلة التي يعاني منها وافتقاره لعلاقات اجتماعية صحية مع الآخرين.

تشكو المرأة في بلاد المسلمين من العزلة الاجتماعية إذ تتميز المجتمعات الحديثة بتآكل النسيج الاجتماعي وبسيادة الفر دانية خاصة في المدن. فالتمييز الجندري التي تعاني منه المرأة في مجتمعاتنا يفرض عليها الاعتزال والتهميش ويتنكر لحقوقها ويجعلها غريبة ومشردة في المدينة لا حق لها في الشارع أو في الفضاءات العامة إلا لمدة سويعات قليلة. وهذه الظاهرة تعكس قمعا ذكور يا صارخا ما زلنا نشهد بعض فصوله حتى اليوم في كل مكان من العالم العربي الإسلامي: فنحن لا نزال ه نعتبر المرأة كائنا هشا ينبغي إخفاؤه ي بل إننا إلى اليوم نعتقد وعيا أو لاوعيا أنها الضامنة لشرف الأمة والمجتمع وهي المؤتمنة على رأسمال العائلة الرمزي. والمفارقة العجيبة هي أن شرف العائلة لا يتلوث بسلوكيات العائلة وتصرفاتها وأخلاقياتها بل يتلطخ فقط بعلاقة حقيقية أو وهمية بين المرأة ورجل أجنبي. ومن هنا يصير تقييدها أو تحجيبها ضرورة فأي حركة منها بالاتجاه الآخر سوف يعتبر تهديدا لقيم الأجداد ولأسلاف. هستيريا الخوف على الشرف العربي الإسلامي تفرض قيوداً اجتماعية متنوعة على النساء. وهذه القيود تبقي النساء محاصرات ضمن حدود ضيقة يقررها ويديرها الرجال.

وغالبية الرجال دائما يسلبون المرأة حقوقها المعنوية والإنسانية من منطلق أن المرأة كائن أنساني مخلوق لتأدية وظيفة الحمل والولادة وتربية الأولاد ورعاية شؤون الزوج... ولو حسبنا ساعات عملها في المنزل نجدها أنها تعمل أكثر من ثمانية ساعات يوميا وحيدة في البيت تهتم بشؤون الأسرة وتدبير المنزل. وهي تكرر نفس الأعمال الرتيبة ذاتها طوال أيام حياتها دون أي مقابل إذ لا يحسب هذا عمل مأجور. كما تحتقر هذه المهام النسائية وتعتبر المرأة غير منتجة وعالة على الزوج وهو ما يفقد المراة ثقتها في نفسها وو يعطيها صورة سلبية عن ذاتها. و تجدر الإشارة إلى أن بعض الآراء في الأمم المتحدة تقر بوجوب اعتبار إدارة البيت والحمل والولادة وتربية الأطفال وظيفة اجتماعية مدفوعة الأجر كي لا يستحوذ الرجل على عمل المرأة وهو مقتنع أنها تعمل ضمن وظيفتها البيولوجية لاغبر. والجدير بالذكر هو انه حتى في حالة خروج المرأة إلى العمل فشغلها يعتبر جائزا عند الضرورة. فيبقى عملا مغتربا مختزلا في بعده المادي لا غير.

وفي هذا السياق تلعب الأعراف الاجتماعية دوراً كبيرا في فرض هذه القيود ولا تترك مجالات كثيرة لحراك المرأة. ومن هنا يضل البيت الفضاء النسائي بامتياز وهو ما يفسر تسمر المرأة أمام التلفزة التي تصبح نافذتها الوحيدة على العالم.

و هو ما يفسر مع عوامل أخرى التماهي والفتنة التي يمارسها عليها الدعاة الجدد.

التصورات الدينية

كل شيء في تصوراتنا التقليدية يناضل لتنمية عداء المرأة واحتقارها. والمشروع الأصولي الاسلاموي هو التعبير المكتمل لتقليدية وتخلف مجتمعاتنا العربية الإسلامية. المشروع الأصولي الاسلاموي يطمح إلى شطب المرأة دورا وجسدا وصوتا ويتعاضد مع التصورات الشعبية السائدة التي تحتقر المرأة وتحقد عليها.

شعور المرأة العميق بدونيتها والمعانات الناتجة عن ذلك يتقلب بحيلة لا شعورية معروفة إلى نقيضه إلى شعور بالتعالي وبالتعاظم الديني والأخلاقي الذي يعطيها وهم التفوق على الآخرين. الخطاب الأصولي يتكفل بالتلاعب باحباطات المرأة ويمنحها تبريرات طبيعية وبيولوجية ودينية وأخلاقية لوضعيتها. هذا الخطاب التعويضي والتضليلي يضمد جرحها النرجسي ويوحي لها ويوهمها أن دورها طبيعي وأن الخروج عنه شذوذ وكفر. كما أن عبوديتها هي "مهمته المقدسة "و أمر صادر عن الله لخيرها وخير عائلتها وخير مجتمعها.

البحث عن هوية

نعلم أن الانتماء إلى مجموعة يستخدم لتحديد مكانة الفرد ولإشباع حاجته بالانتساب والاعتراف به ولتحديد هويته الاجتماعية.

حينئذ تصبح جمهور الداعية جماعة مرجعية تقدم للمرأة, التي شكت في نفسها وفي قدراتها الذاتية وتبحث عن هويتها, منظومة تفسيرية لفهم العالم والتحرك فيه فهي توجه وتنظم التصرفات والاتصالات الاجتماعية.و تسود هذه المجموعة النرجسية الامتثالية أي قبول الفرد لوجهة نظر الأغلبية وتوفيق آراءه مع آراء الجماعة توفيقا معلنا أو ضمنيا. ويمكن لهذا الفرد تحت ضغط الجماعة المرجعية أن يتبنى أحكام غريبة تتعارض مع البداهة الإدراكية والواقع الموضوعي كما بين ذلك عالم النفس لاش في تجربته الشهيرة عام 1951. فتفرض هذه المجموعة سلطتها وعقائدها وتستبعد الرافضين والمعارضين وتتجه لتأسيس كتلة متجانسة ملتحمة متعصبة ومكتفية ذاتيا.

الانترنيت والهاتف يمثلان الوسيلة المثالية التواصل المعقم والمنفصل عن الآخر داخل هذه المجموعة والمتناغم مع بنيتنا الاجتماعية الحالية. فهذا النمط من التواصل الافتراضي يسمح بعلاقة مع الآخر دون لقاءه أي دون معانات أخطار التواصل الحقيقي واللقاء الفعلي والاحتكاك الجسدي. وطبعا يتلاءم هذا النوع من التواصل ,الذي يرفض خوض تجربة الغيرية ,مع التزمت ألعلائقي التقليدي الذي يفرض موانع وحواجز لا حصر لها بين الأفراد. لكنه في المقابل يفتقر إلى مقومات التواصل الأصيل والصراع المعرفي الذي يتيح مسائلة النفس والنقد الذاتي وتجاوز المركزية الذاتية والجمود الذهني والتعصب. فالتواصل الحقيقي يتغذى من التفكير المعمق والتحليل والتمعن الدقيق والتشريح وتخمر المقولات والأطروحات للارتقاء إلى الدينامكية الفكرية وانفتاح القلب والوعي الكوني.

نقائص المنظومة التعليمية

الاستخدام الاداتي للعقل الذي سلطت عليه الضوء مدرسة فرنكفورت وسيادة العقلانية الآلية والنفعية والكمية في كبتها للانفعالات وفي احتقارها للأبعاد الكيفية والذاتية تثير نوعا من الصدمة المرتدة أي عودة المكبوت الانفعالي في شكل تدفقات روحانية وهوس صوفي. استبعاد قيم الشرف والضيافة والتضحية والحب واختزال الحياة الإنسانية في بعدين وضيعين : إنتاج همجي واستهلاك حيواني هو الذي يؤدي إلى رفض متشنج للحداثة وإلى البحث عن ملاذات لاعقلانية تعطي معنى قيمي للحياة. وهو ما يفسر ظاهرة عجيبة ضمن غرائبنا التي لا تحصى وهو أننا نمثل 5 بالمائة من سكان العالم ولا نؤلف سوى 1 بالمائة من الكتب بينما ننتج ثلاث أضعاف الكتب الدينية والغيبية التي ينتجها كل العلم !! وبالإضافة إلى آفة الأمية التي تعاني منها أكثر من 50 بالمائة من النساء في عالمنا تثمن السياسات التعليمية عندنا الاختصاصات العلمية والتقنية وتمجدها على حساب التربية والأفكار والفن وتطمح إلى إلحاق المدارس بالمؤسسات الصناعية تصنع تكوينا سطحيا وغير متماسك , نفعي وغير نافع , ينتج عنه شعور بالفراغ يمكن له أن يملا بسهولة بأية فكرة هوامية. اعتبار العلم الوضعي التخصصي الطريق الأوحد للمعرفة واعتبار كل ما عداه من خبرات ثقافية وانفعالية من قبيل الترف الفكري والنظر إلى الحياة في المجتمع كصراع تنافسي من اجل البقاء والمراهنة الكلية على التقدم المادي غير المحدود هو الذي يؤدي إلى ارتباك القيم وسيادة الفوضى والهلع. وهذا ما يفسر تماهي بعض النساء المثقفات بالداعية الاسلاموي الذي يمنحهن وهم الأمان والتوازن النفسي.

إلى جانب هذه الثغرات الهيكلية في المنظومة التعليمية نلاحظ أن التفكك الذي ينخر النسيج الاجتماعي وافتقاد المعالم الهادية تفاقم الصراع بين الأجيال والتوتر الذي تعيشه المرأة الحائرة في البيت من جراء تزعزع الأدوار العائلية التقليدية تدفعها دفعا إلى البحث عن أب اجتماعي يحميها من غوائل مجتمع يتفكك ويجعلها تطلب الاحتماء من تبعات الواقع ومهامه الصعبة بخطاب ماضوي ,تبسيطي ومثالي يعطيها حلولا جاهزة لكل تناقضاتها الحياتية. بينما المطلوب اليوم لمواجهة هذه الظاهرة تخصيص حصة من الوقت لدراسة العلاقات بين العلوم ولطرح القضايا الكبرى والرهانات الشاملة ولإعطاء معنى للحياة : من نحن ما هو العقل ما هو المجتمع الحياة الكون...الخ. التكوين المتعدد الاختصاصات الذي ينتقل بنا من مراكمة المعلومات إلى مقاربة المعرفة كوظيفة وجودية هو الوحيد اليوم القادر على الرد على الأسئلة التي يعجز العلم بمفرده على الإجابة عنها.

التهميش السياسي

ناضلت المرأة واستشهدت واعتقلت في سبيل الفرنسي وأنها لا زالت تهمش على الساحة السياسية فمثلا نسبة النساء في البرلمنات عندنا هي الأضعف في العالم وهي14 بالمائة فقط.فالمرأة الجزائرية مثلا ناضلت ضد الاحتلال الفرنسي ولعبت دورا هاما في نجاح الثورة الجزائرية إلا أنها أقصيت من إدارة الشأن العام بعد الاستقلال. والمرأة الإيرانية المغدورة ,ناضلت ضد الدكتاتورية ووساهمت في إسقاط حكم السفاك

السيئ الذكر واعتقلت وعذبت وقتلت وكان جزاءها بعد نجاح الخميني الرجم والعقوبات البدنية البربرية. وتاريخ لبنان المعاصر يشهد على الأدوار النضالية المتعددة للمرأة إلا أن المواقع السياسية لا تزال حكرا على فئات محددة إما قريبات ساسة سابقين أو مقربات من ساسة حاليين. وهذا ما يطرح إشكالية المشاركة السياسية للمرأة في العالم الإسلامي.

صحيح أن العديد من الحكومات منحت المرأة العديد من الحقوق القانونية وأهدتها معظم المطالب التي كانت تناضل من اجلها الحركات النسوية التي ظهرت في بدايات القرن الماضي من حق التعليم والعمل والتحكم في الإنجاب وتعديل القوانين الأسرية ولكنها في المقابل اغتصبت من هذه الحركات الواعدة استقلاليتها السياسية وسلبتها حسها النقدي. فقد قامت الحكومات باحتواء الحركة النسوية ووقع إفراغها من محتواها التحرري وألمساواتي وذلك بإلحاق المنضمات النسوية بالأنظمة وبالأحزاب الحاكمة وبتشكيل جمعيات نسائية صورية ومعقمة تردد شعارات جوفاء تسودها الرتابة والرقابة ولا تقنع المرأة بالانخراط فيها.

وقد حالت هذه الوضعية دوّن تشكل بؤر نسائية قادرة على الاضطلاع بنشاطات مطلبية مستقلة، وصياغة خطاب حقوقي نسائي يجعلهن أقدر على التعبير عن أنفسهن بدرجة واضحة.

وقد أدت هذه السياسات الشمولية إلى تضييق الفضاء العام أمام النساء وإلى إضعاف قدراتهم النضالية مما حولهم إلى لقمة سهلة للخطابات وللشعارات الاسلاموية وفريسة سائغة لدعاتها