لم يَصْدق جورج بوش. «خريطة الطريق» كان يفترض ان تقود الى قيام الدولة الفلسطينية في العام 2005­ أي العام الفائت­ إلا أن الرئيس الأميركي أعاد النظر في الموعد, وأرجأه الى العام 2009, لأن «بناء الدول يحتاج الى خطط مفصّلة, وهو محكوم بالفشل من خارج هذه الخطط». نريد أن نصدّق. لماذا؟ لأن الصراع العربي­ الاسرائيلي, بالرغم من خصوصيته, جزء من مشروع بوش الكبير, في الشرق الأوسط كما على امتداد الكون, أرضاً وفضاء. فالرئيس الأميركي اعطى نفسه أربع سنوات لتغيير العالم, بدأت مع بدء الولاية الثانية, ولا بد أن تنتهي قبل انتهائها. ولماذا لا نصدق ما دمنا عاجزين عن تغيير هذا التغيير؟ قبل عام وبعض العام مات عرفات. الرئيس الأميركي كان قد أخذ علماً بذلك قبل نقله الى مستشفى بيرسي الباريسي. شارون كان أخبره أنه ينوي «حذفه» من الوجود, وهكذا كان. مسكين عرفات. كان يحلم بأن يعيش أكثر من شارون, لأسباب شخصية على الأقل, لكن شارون ارتكب مجزرة أخرى أضافها الى سجله الحافل. ضحية فلسطينية اضافية... لمَ لا؟ وفي رقبة الرجل آلاف الضحايا العرب منذ مجازر 1948 حتى صبرا وشاتيلا وصولاً الى غزة وجنين, ولا ننسى اجتياح بيروت. وكلما ارتكب مجزرة كلما ازدادت شعبيته وازداد تعلق جورج بوش به بصفته «رجل سلام».

لكن اتركونا في همّنا. لماذا نسعى الى قتل الناطور؟ نريد «عنب» الدولة الفلسطينية التي وعدنا بها سيد البيت الأبيض. بعدها نقرر اذا كان شارون جزاراً أم لا... وأين المشكلة؟ ثم ان بوش مصر على نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط, بالتكافل والتضامن مع صديقه شارون, ولماذا لا نعطي الرجل فرصته التاريخية؟ منذ انتخابه لأول مرة في العام 2000 وهو يخوض حروباً بلا هوادة من أجل الديمقراطية وحقوق الانسان, ويحاول ان يشرك أوروبا والعالم المتمدن واسرائيل في المشروع. لنعطه فرصة.

لكن, ماذا يقول بوش اليوم في غياب شارون؟ هل يكون هذا الغياب حجة لتأخير قيام الدولة الفلسطينية أربع سنوات أخرى, لأن «الشريك» الأساسي في تغيير الشرق الأوسط لم يعد موجوداً؟ أم أن المطلوب تغيير العالم قبل تغيير الشرق الأوسط, على قاعدة أن الشرق الأوسط مسألة «معقدة» في العراق وفلسطين ولبنان وسوريا وايران؟ في غياب شارون لا أحد يدري ما هي أولويات بوش الجديدة؟ الأولوية الأولى كانت اسقاط «طالبان» والقبض على بن لادن. الأولوية الثانية الانتقام من صدام الذي حاول اغتيال والده جورج بوش الأب خلال حرب الكويت في العام 1993. الدولة الفلسطينية كانت أولوية في العام 2005 لكنها تراجعت الى المرتبة الأخيرة, أي الى ما بعد انقضاء الولاية الثانية... ومن يدري أين يمكن ان تستقر بعد وفاة شارون «رجل السلام». في أي حال ماذا نملك نحن العرب كحلول بديلة؟ لا شيء.

لماذا لا نعطيه فرصة؟ وما الذي يمنع أن يكون في «استراتيجية الأمن القومي» الأميركية موقع ما لقيام دولة فلسطين؟ ما الذي يمنع ايضاً ان يطلع من بين «المحافظين الجدد» ومنظريهم من يقول بأن الدولة الفلسطينية أفضل طريقة للحفاظ على أمن اسرائيل والأمن القومي الأميركي معاً؟ لنعطه فرصة ما دمنا عاجزين عن أي حل آخر. ثم ان زلماي خليل زاد السفير الأميركي في بغداد مشغول جداً هذه الأيام بتركيب الحكومة الفدرالية الجديدة, وتشيني ورامسفيلد مشغولان باختيار بديل لشارون على الطريقة الانجيلية البروتستانتية, وكوندوليزا رايس تراجع الملف اللبناني­ السوري ليل نهار, والأميركيون يموتون كل يوم في افغانستان والعراق. ثم­ وهنا بيت القصيد­ عرفات مات ومحمود عباس انتهى سياسياً وشارون انتهى جسدياً, ولا بد من قيادة فلسطينية جديدة وقيادة اسرائيلية جديدة كي يصبح التفاوض حول مشروع «الدولة» ممكناً. 2005­ 2006­ 2009, محطات تاريخية في مشروع تاريخي. والهزيمة العربية فصول تتلاحق منذ ستة عقود على الأقل. الانتصار الاخير عمره حوالى عشرة عقود. لنعط بوش فرصته في غياب عرفات وشارون.