في قلب العروبة التاريخية أي في سوريا ولبنان تتلاحق الأحداث الخطيرة ويتواصل مسلسل إعادة رسم الخرائط المصيرية من خلال تقرير ميليس المهدد لسوريا الذي يكرر طريقة تقرير هانس بليكس للعراق، والعرب كأنهم نيام أو في غفلة من تلك الغفلات الكبرى

التي سجلها تاريخهم منذ فشل محاولات الإصلاح في القرن التاسع عشر على أيدي محمد علي في مصر والوزير خير الدين باشا في شمال إفريقيا وعبد الرحمن الكواكبي في الشام والمهدي في السودان ومحمد بن عبد الوهاب في جزيرة العرب، إلى جانب تراجع حركات الشيخين الأفغاني ومحمد عبده على طول بلاد العرب وعرضها مع استفحال الاحتلال الاستعماري الفرنسي والبريطاني في ما كان يسمى تركة الرجل المريض، أي بقايا الولايات العثمانية العربية، بعد خراب السلطان ودمار الباب العالي وظهور الجمهورية التركية الحديثة التي ألحقت بالغرب شكلا وروحا. وبدأ انهيار مفهوم الأمة في العقول قبل أن يتجسد في الواقع. بل وشرع العرب في الالتحاق الشكلي بالغرب وتقليد الغالب كأمة مغلوبة على رأي العلامة ابن خلدون. ودخلنا من تلقاء أنفسنا مرحلة هزيمة العقل العربي !

ونحن حين نقرأ تاريخ محاولات النهضة الثانية على أيدي زعماء الاستقلال الوطني أمثال عبد الناصر وبورقيبة وبن بلا، بعد فشل النهضة الأولى في القرن التاسع عشر، نفهم لماذا وكيف جاءت نتائجها الوخيمة التي نتكبدها ونحمل أوزارها جميعا. فالناصرية ثم ربيبتها البعثية والليبرالية البورقيبية والاشتراكية الجزائرية والجماهيرية القذاقية والثورية اليمنية والاسلاموية السودانية - نشأت كلها كردة فعل عاطفي ضد الاستعمار لا كمخطط نهضة عقلانية، ثم تحولت مع الانفراد بالرأي إلى أيديولوجيات قهر الفكر الحر وتأبيد الاستبداد الجمهوري، وبالتالي التأسيس للتخلف بأبعاده الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على خلفية من الشعارات القومية كانت عاجزة عن تحرير فلسطين وعن تأهيل العرب لمغامرة التقدم والمناعة والدخول إلى العصر الراهن كأمة فاعلة وحرة وذات تأثير. بل يمكن الجزم بلا تردد بأن العقل العربي كان أفضل حالا تحت وطأة الاستعمار منه بعد الحصول على الاستقلالات، لأن العقل كان حرا وفاعلا ومستنفرا ضد عدو معلوم هو الهيمنة الأجنبية، وتحول مع حلول الجمهوريات إلى بضاعة خطيرة مصادرة بالأحكام العرفية حتى ولو لم تفصح عن نفسها، وإلا كيف نفسر غياب المنارات الفكرية العربية التي كانت تضيء آفاقنا في النصف الأول من القرن العشرين أمثال طه حسين والعقاد والحكيم وأبو القاسم الشابي وانطواء الفكر العربي من بعد أفولهم إلى تكرار طاحونة الشيء المعتاد، واعادة تكرير الفكر الغربي في قوالب عربية وتسخين الأطباق الثقافية الغربية الجاهزة للاستهلاك في الميكروويف العربي، دون عناء طبخ وابداع الأصيل والعريق والنافع!

الفكر السياسي العربي هو الآخر تعطل أمام موجات الأخطار المحدقة بكل العرب مهما شعروا بالأمان الكاذب في ظل الانضمام للعولمة الخادعة وتصديق المنطق الطاغي بقوة السلاح والتخويف والترهيب. فسوريا اليوم في مأزق لن تساعد على النجاة منه أوضاعها الداخلية المتأزمة وهي في نظر المنظرين الغربيين المتطرفين باب لضرب إيران وإحكام الحصار حول العراق وتسوية الملف الفلسطيني حسب المصالح الإسرائيلية لا حسب قانون العدالة الدولية ومصلحة السلام العالمي ومنطق الأمن الإقليمي، وقد كان الخبير البريطاني المرموق/ ديفد هيرست على حق حين قال في الغارديان بعد اغتيال المرحوم رفيق الحريري إن الشرق الأوسط يجد نفسه اليوم في مربع الانطلاق ....انطلاق الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 وكأن التاريخ يصر على إعادة المأساة ذاتها لكن هذه المرة بأيدي القوة العظمى الوحيدة. وكذلك الصديق اللبناني نبيل أبو شقرا على حق حين كتب في «النهار» قائلا إن لبنان والعرب عموما مازالوا يعيشون في مرحلة الوهم الحلم ومرحلة المؤقت الدائم !

فها نحن مع الأسف نتعامل مع المخاطر الجديدة بنفس المنطق المحنط : أي تلخيص الوطن في الدولة والدولة في النظام والنظام في القائد الأوحد على الطريقة العربية الخارجة عن عصرها، ثم ها نحن نستعيد نفس الشعارات التي قادتنا للهزائم وننفض الغبار عن نفس اليافطات القديمة التي رفعها الآباء في المظاهرات الشعبية التي أعقبت هزيمة يونيه 1967 وتلك التي رفعها الأجداد بعد نكبة 1948، كأنما الزمن توقف ومسخنا بسحر ساحر فحولنا إلى أصنام تلك الأسطورة اليونانية. فأين التنسيق العربي في حده الأدنى حول الموقف السوري من أجل ترشيده، ونحن ندرك أن تقرير ميليس ليس إلا خواطر وتكهنات وليس حكما باتا باستنتاجات لا تقبل الدحض؟ ثم أين الإجماع العربي في مهمة عمرو موسى بالعراق ؟ وأين المساندة العربية العاجلة لمنع عودة شبح الحرب الأهلية إلى وطنه ؟

إن كل هذه المعضلات متصلة ببعضها البعض وتلزم في النهاية جميع العرب من المحيط إلى الخليج كما علمونا في المدارس حينما كانت المدارس تعلمنا الانتماء للعروبة في جيل سابق !