ان مفهوم التمكين بالنسبة للنساء يعني :القدرة على المشاركة بنشاطها في صنع القرارات الإقتصادية والإجتماعية والسياسية لتحسين حلتها, وتحقيق التنمية المستدامة ومساواتها مع الرجل.

فأحد مؤشرات هذا التمكين والمشاركة هي نسبة الإناث في الوظائف الإدارية والمهنية والوظائف العليا ومراكز صنع القرار ونسبة النساء في المقاعد البرلمانية, حتى نصل الى مرحلة من تحقيق التنمية المستدامة.وهذه النسب تشكل مؤشراً وليس الحل الناجع، فهل المرأة من خلال مشاركتها السياسية استطاعت أن تطور من قضاياها أو التوصل الى النتائج المطلوبة؟ يشير الواقع إلى أن تحقيق الأهداف ليس وصفة سحرية بل هو عملية تراكمية تبدأ خطوة خطوة؛ ودخول المرأة أو وصولها الى مراكز صنع القرار والإستمرار يعنيان بداية تغير الصورة النمطية والتقليدية للمرأة تلك التي تشربتها الذاكرة والموروث الجمعيان والثقافة الشائعة من خلال السلطة الذكورية، وهذا ما يضفي صورة جديدة للوصول حقاً الى مراكز صنع القرار. سوف نناقش لاحقاً اشكالات التمثيل أو المشكلات التي تعيق المرأة في صنع القرار، لكن لا بد من التذكير ببعض الإحصائيات المتوافرة حول وجود المرأة في مواقع قيادية. سورية تُعد رائدة بين الدول العربية حيث سُمح للمرأة بالتصويت والترشح للانتخابات منذ عام1953 ومن أعضاء جامعة الدول العربية تلي سورية جبيوتي فقط في منح النساء حقهن الدستوري في الاقتراع المصدر:(مركز التنمية الاجتماعية )

تمثيل النساء في السلطة التشريعية: ازدادت مشاركة المرأة وارتفعت نسبة التمثيل حيث تم احداث وحدات خاصة بتمكين المرأة في أغلب الوزارت مهمتها متابعة تنفيذ الاستراتيجية الوطنية لتعزيز مشاركة المراة ورفع نسبة هذه المشاركة الى 30% مع نهاية العقد الرابع للمرأة وحلول عام2005م فقد كان عدد النساء في مجلس الشعب عام1971م في الدور التشريعي الاول 4نساء اي 2%من اجمالي اعضاء مجلس الشعب بينما وصل العدد عام2003 خلال الدور التشرعي الثامن 30 امرأة اي مايعادل 12% فقط وهي أقل من نصف النسبة المستهدفة. . (من تقرير أوضاع المرأة في سورية صندوق الامم المتحدة اعتماداً على مصادر وزارة الادارة المحلية)

اما بالنسبة للسلطة التنفيذية: فاول وزيرة عيّنت عام 1976م وبلغ العدد عام 2000 وزيرتين و30 معاونة ,وحتى عام 2005 بقي العدد وزيرتين وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل ووزرارة المغتربين, وكأن طبيعة الحقائب الوزارية التي تتسلمها النساء مازالت نمطية وتتماهى مع الدور النمطي المرسوم للمرأة فهي لم تصل الى وزارة من وزارات النفوذ والسلطة رغم وجود نساء عديدات يتمتعن بالكفاية والأهلية لتسلم هذه المواقع . وفي السلك الديبلوماسي شاركت المرأة منذ عام 1953حتى عُينت اول سفيرة عام 1988 وفي الوقت الحاضر هناك 4 سفيرات وبلغت نسبة اللواتي يعملن في هذا السلك7%عام 2003 وتعتبر هذه النسبة ضعيفة بالقياس لعدد الذكور 57 سفيراً مقابل 4 سفيرات . (حسب المصدر السابق)

وتشارك المرأة في المجالس المحلية التي تعد نسبتها أيضاً منخفضة, رغم ارتفاع العدد من 27 امرأة عام 1975 الى 189 عام 1999 اي تضاعف العدد 7 مرات. والجدول الآتي يمثل نسبة المقاعد التي تشغلها المرأة في المجالس المحلية

العام نسبة النساء 1975 0.8 1985 1.8 1994 3.6 1999 3.8 2003 3.1 وهنا نرى ان النسبة المنخفضة اصلاً قد تدنت وتشارك المرأة في الاتحادات والنقابات العمالية والمهنية ,وتقوم منظمة الاتحاد النسائي بالإهتمام بقضايا المرأة وتعمل على تطوير مشاركتها ففي احصائيات تمت بالتعاون بين صندوق الامم المتحدة الانمائي للمرأة والاتحاد النسائي تبين ان توزع عمل النساء بين الاعمال الانتاجية والوظائف الادارية الخفيفة حسب الآتي

عاملات في الادارة والاعمال المكتبية والدوائر(58847) وعدد العاملات في خدمات الانتاج(31028) عاملة أما عدد العاملات في الانتاج فبلغ (22705) وهذا يعني انحصار أكثر أعداد النساء في الأعمال المكتبية. . ولنأخذ مثالاً وزارة التربية ففيها أعلى نسبة نساء عاملات لأن التعليم اول مجال دخلته المرأة، وكذلك التمريض.اذاً نسبة العاملات من الاناث تصل الى 70%من نسبة الذكور ، لكن نسبة المناصب الادارية العليا التي يكون فيها الفرد صاحب قرار بالنسبة للاناث هناك ثلاث نساء في موقع الادارة فقط حيث يوجد 17 مديرية تابعة للوزارة.وهنا نجد ان الذكور الذين نسبتهم لا تصل الى30%هم معاونو وزير ومدراء ورؤساء أقسام، اما باقي النساء فهنّ مدخلات بيانات ومعقبات معاملات وسكرتاريا؛ وهذا يندرج ويمُسح على باقي الوزارات والمؤسسات الاخرى.

أما السلطة الشرعية او القضائية: استطاعت المرأة السورية دخول مجال القضاء من جميع أبوابه فمنذ عام1952 مارست عمل المحاماة ومن ثم القضاء، فقد تسلمت المرأة مهامها في القضاء المدني والجزائي وفي مختلف درجات التقاضي"صلح-بداية-استئناف-نقض" عينت اول نائب عام للجمهورية في عام1988 وفي عام 2003 بلغت نسبة مشاركة المرأة في المناصب القضائية12% قاضيات و16% من مجموع محامي القطر و7% من رؤساء البعثات الدبلوماسية(المصدر السابق).

بعد هذا العرض الموجز عن تطور دور المرأة ومكانتها في مواقع صنع القرار نجد ان النسب التي تشكل أحد مؤشرات تمكين المرأة كما قلنا سابقاً آخذة في التزايد رغم ضآلتها وضعف الكثير منها، لكنها تبقى دورات تأهيلية تمكن النساء من التعلم واكتساب الخبرات المختلفة حتى نصل الى مرحلة من الاندماج الحقيقي للمرأة في التنمية وصنع القرار. اذاً هذه بنوراما عن مشاركة المرأة في صنع القرار السياسي. لكن السؤال ما مدى فعالية هذه المشاركة على الرغم من قلتها..؟وما هي المعوقات التي تعطل هذه المشاركة الحقيقية..؟

أولاً:في جميع الدول العربية لا تشرك السلطة الحاكمة الكثيرين في صنع القرار, بل هم قلة قليلة نافذة والباقي عبارة عن أدوات لتنفيذ تلك السياسات التي تكون أحياناً في صالح المرأة فلا تسمع أو تشاهد إلا الندوات والمؤتمرات والتواقيع على اتفاقيات من أجل حرية المرأة وضد التميز والجندرة...الخ من المصطلحات التي طاف بها الأعلام والإعلان .لكن هذه السياسة قد تتغير فيصبح الحديث عن قضايا المرأة ثانوي وتنزل اللافتات لتوضع غيرها رغم إن الأسرة عماد المجتمع كما جاء في دستور الجمهورية العربية السورية الصادر عام 1973 المادة 44:"الاسرة هي خلية المجتمع الأساسية وتحميها الدولة" والمادة45:"تكفل الدولة للمرأة جميع الفرص التي تتيح لها المساهمة الفعالة والكاملة في الحياة السياسة والإجتماعية والثقافية والإقتصادية وتعمل على إزالة القيود التي تمنع تطورها ومشاركتها في بناء المجتمع العربي الإشتراكي" إن مواد الدستور مستقاة من القوانين الدولية والتشريعات الإنسانية المستوحات من روح الشرائع الدينية السمحة العليا.

اذاً استطاعت الدولة أن تضع قوانين مدنية منذ 1973لكنها أبقت قانون الأحوال الشخصية وقانون العقوبات دون أية تعديلات تذكر وهذا القانون مطبق منذ أيام الدولة العثمانية, وعلى الرغم من تناوب وتزايد عدد النائبات والوزيرات والنقابيات وغيرهن من النساء اللواتي وصلّن الى مراكز صنع القرار, لم تستطعن أن تغيرن أو تعدّلن من مواد قانون الأحوال الشخصية رغم أنه يعتبر العائق الثاني في تمكين المرأة وقدرتها على اتخاذ القرار وخاصة لمن هّن في مواقع صنع القرار . يستند قانون الأحوال الشخصية في سورية إلى قانون طُبق في العهد العثماني حتى الآن مع بعض التغيرات الطفيفة حتى عام 1975, ومن ثم بقي دون تغيير حتى عام 2002 حيث تم رفع سن الحضانة فقط" للبنت حتى سن 15سنة وللصبي حتى سن 13سنة", فخلال كل تلك السنين تم تعديل جزء بسيط من هذا القانون وحتى هذا التعديل جاء تمييزي ..؟ أما باقي القوانين فهي جائرة وظالمة للمرأة وخاصة فيما يتعلق بالولاية والوصاية والطلاق بإرادة منفردة للرجل فقط, وقانون العقوبات وخاصة القانون المخفف في جرائم الشرف, وإسقاط العقوبة عن المغتصب في حال زواجه من المغتصبة.

تصوروا نائبة عام في يدها الأولى مطرقة وقلم تحكم وتفصل, وفي يدها الثانية على قلبها خائفة من أن تعود إلى البيت لتجد ورقة طلاقها وثيابها على باب بيتها لسبب ما قد يكون تافه لكنه في نظر الزوج كبير . أو أن تمُنع احدى النساء اللواتي في مركز قيادي مهم من السفر بسبب رفض زوجها, وهناك أمثلة لاتعد ولا تحصى تبين المفارقة الحادة بين وجود المرأة في مركز سياسي وبين حياتها الأسرية والإجتماعية .

مؤخراً أعطت الدولة عبر وزارة الشؤون الإجتماعية والعمل, ترخيص لأكثر من جمعية نسائية لتقوم هذه الجمعيات بدعم الحراك المجتمعي والمدني وذلك في مسيرة التحديث والتطوير وبالفعل قامت تلك الجمعيات بطرح مشاريع وبرامج مدعومة أمنياً ومؤسساتياً وعبر الإعلام والصحف وكل الوسائل الممكنة لتفعيل هذه البرامج وخاصة تعديل قانون الأحوال الشخصيةوقانون العقوبات الخاص بجرائم الشرف. وبعد فترة تغيرت الظروف السياسية, فارتفعت بعض الأصوات من على منابر المساجد لتخون وتكفر عمل تلك العضوات والجمعيات . ماذا حصل ..؟!!لم يحرك أحد ساكناً وخاصة صاحبات المراكز القيادية واللواتي المفترض انهن الأكثر تأذياً بهذه الردة, بل تركن عضوات الجمعيات في مهب الشتم والتخوين والعودة لنقطة البداية. هل هن في مواقع صنع القرار..؟ هل هن حقيقة مشاركات بالتغيير؟ باحثة في قضايا المرأة