محسن العاوور (الراصد للتوثيق الإعلامي)

وصفت الانتخابات الفلسطينية التشريعية الأخيرة، بشهادة القريب والبعيد بالنزاهة، وقد وصل الأمر بوصف يوم الخامس والعشرين من شهر كانون الثاني بالعرس الديمقراطي الفلسطيني، أما أكثر القضايا التي أُثيرت حول تلك الانتخابات على المستويين الداخلي والخارجي بشأن فوز »حماس« في أول انتخابات تشارك فيها، فهي ما الذي سيحدث وكيف ستدير »حماس« الشؤون الفلسطينية والقرار الفلسطيني ابتداء من هذا التاريخ؟ ذلك التاريخ الذي هو تاريخ جديد وبداية جديدة للشعب الفلسطيني، حيث وجدت »حماس« نفسها على رأس الحكم والإدارة للسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، آخذين بعين الاعتبار كل تعقيدات الواقع الفلسطيني، على جميع الأصعدة، وفي كل المجالات، ذلك الواقع الذي يمكن تلخيص أبرز معالمه واختزالها بالنقاط الآتية:

يعيش قرابة 3 ملايين ونصف مليون فلسطيني تحت سيطرة الاحتلال في ظل وجود سلطة فلسطينية، وهم يتوزعون على أراضي الضفة والقطاع.

احتلال إسرائيل لمجمل أراضي الضفة مع وجود مستوطنات تقطّع أوصالها، أما قطاع غزة الذي يخلو من المستوطنات، فهو محاصر وتتحكم به إسرائيل بشكل شبه كلي.

القطاع والضفة إقليمان منفصلان بشكل كامل إذا ما سلمنا بخريطة الواقع الآن على الأرض.

الاقتصاد الفلسطيني مرتبط تماماً بالاقتصاد الإسرائيلي، فالغلبة للآخر والسيطرة المطلقة للاقتصاد الإسرائيلي، فهناك عبء إنفاقي يتمثل في جيش كبير من الموظفين والبيروقراطيين، لدى سلطة هشّة قائمة على المساعدات الخارجية، وجيش من العاطلين عن العمل ينتظر من سيجد له فرصة العمل. وهناك مجموعة من الاتفاقات الخارجية مع الاحتلال تعتبر هي الأساس والمرجعية لأي تفاهم أو تفاوض، ووصفت هي الأخرى، وعلى الأقل، بأنها هشّة ومجحفة بحق الشعب الفلسطيني.

كل تلك القضايا المعقدة والكبرى تعبّر عن حال الواقع الذي يُلقى به أمام حركة المقاومة الإسلامية حماس وقيادتها، وهي تدخل لأول مرة تجربة سياسية بهذا الحجم الهائل والمعقد من القضايا، وهي على رأس الهرم في قيادة الأداء الفلسطيني، في مرحلة ما بعد فوزها في انتخابات التشريعي الفلسطيني في الضفة والقطاع، فما الذي وكيف تستطيع القيادة الجديدة أن تفعله؟ وهي التي وضعت لنفسها بعض الثوابت الداخلية وذات الصلة أيضاً بسياسة الحركة على المستوى الوطني، وهي أبرز تلك الثوابت، وتعتبر القضية الأكثر حساسية وذات الصيت الجدلي الكبير، وهي قضية الاعتراف باسرائيل تلك القضية الأكثر عرضة للطرح والأكثر إلحاحاً من القريب والبعيد، سواء أكان على المستوى الوطني الفلسطيني أو الإقليمي أو الدولي، فالكل تقريبا يضع شرط الاعتراف معبراً لكل القضايا الأخرى، والمطلوب هو الاستسلام للواقعية، (مع أن موضوع الواقعية بحد ذاته يعتبر موضوعاً جدلياً) فماذا ستفعل حماس وكيف ستتعامل مع كل القضايا من جهة؟ وكيف ستحافظ في الوقت نفسه على برنامجها الداخلي وما طرحته كبرنامج انتخابي أمام الجمهور الذي صوت بنعم لذلك البرنامج أو المشروع؟

إذن حماس أمام خيارين رئيسين، وهما يشكلان مجموعة من الفرضيات التي يمكن على أساسها تحليل ثم توقع النتائج الأكثر احتمالاً وواقعية:

-الخيار الأول، ويتمثل في الضغوطات التي تتعرض لها الحكومة الجديدة بعد تشكيلها ومؤسساتها ككل، وتحتوي على استسلام حماس لتلك الضغوطات أو لبعض منها، خاصة ما يتعلق بالاعتراف بإسرائيل والرضوخ لسياسة التفاوض معها، لكن حماس والمجتمع الفلسطيني وحتى الحكومات السابقة للسلطة وقيادات منظمة التحرير الذين يؤيدون بل جربوا الخط التفاوضي مع إسرائيل يجمعون بأن التجربة الأوسلوية لم تكن أبداً بالسهلة، بل يمكن أن نجزم بأن إسرائيل لم تُعر أي اهتمام يذكر للجانب الفلسطيني، ولم يجن الشعب الفلسطيني أية مكاسب على مستوى القضايا الجوهرية للقضية الوطنية الفلسطينية ( حيث كانت جميعها مطروحة لمرحلة الحل النهائي التي عادة ما تنكرت لها إسرائيل)، وهي قضايا كما يعلم الجميع تعد ثوابت للنضال الوطني الفلسطيني مثل قضية اللاجئين، القدس، والدولة الموعودة والسيادة. قد يبدو هذا الخيار التفاوضي المبني على والمشروط باعتراف حركة المقاومة حماس بإسرائيل هو الخيار الأمثل والأفضل والأكثر واقعية بشهادة الكثير من المحللين والسياسيين وقادة الدول، على جميع الأصعدة، سواء أكانت الوطنية منها أو الإقليمية أو الدولية. وذلك إذا ما أخذنا بعين الاعتبار احتياجات الشعب الفلسطيني أو كيفية تلبية احتياجاته اليومية من توفير خدماته الأساسية والرئيسة، مستندين إلى الواقع الفلسطيني كمرجع أو مرتكز لكيفية تحقيق تلك الاحتياجات والمصالح الحياتية للمواطنين في قطاع غزة والضفة الغربية.

-الخيار الآخر، والذي يتمثل في الفرضية الثانية، وهي أن يسلّم الجميع برؤية حركة حماس وبرنامجها الداخلي والانتخابي، والمتمثل بالرؤية الأيديولوجية والاستراتيجية الفلسطينية ككل، والتي يمكن اختزالها بالاتي:

-إن الشعب الفلسطيني هو الضحية وصاحب الأرض والحق، وأن إسرائيل هي كيان غريب عن المنطقة قام بطرد الفلسطينيين من أرضهم ليحل محله شعباً آخر وكياناً آخر هو الشعب اليهودي ودولة إسرائيل. وبما أن كل الأعراف والشرائع الدينية والدولية التي تخصّ هكذا قضايا ، وبما أن منطق التاريخ أيضاً والحق، جميعها تتحدث وتعطي أي ضحية حق الدفاع عن النفس، وحقها في حماية ممتلكاتها من أي عدوان خارجي، فإن الحل الجذري للصراع يعني إرجاع الحق الفلسطيني بأكمله لأصحابه، أي يجب إعادة الأرض والسيادة للشعب الأصلي، وهو الفلسطيني، ومدعمة إياه بمفاهيم وقيم دينية إسلامية هكذا تنظر حركة حماس لجملة الصراع العربي الإسرائيلي بشكل عام معطية لتلك النظرة عمقاً استراتيجيا عربياً وإسلامياً تحتّمه (من وجهة نظر الحركة) واقع الجغرافيا والتاريخ والثقافة أو الحضارة بصورة شمولية.

حماس وبالرغم من أنها تقدم نفسها في الأونة الأخيرة كحركة ثوابت لكنها لا تخفي ولا تنكر بأن لديها هامشاً من المرونة والبراغماتية، تسليماً منها بواقع الأمور والظروف التي تحيط وعلى جميع الأصعدة، وأن لديها أيضاً رؤيتها العقلانية، والمتلخصة بقبول الحلول المرحلية ذات الخطوات الواسعة وذات الجوهر في جني نتائج على المدى الاستراتيجي.

لا شك بأن مثل هذا الحل أو تلك النظرة من الحلول (حتى السلمية منها) قد بل ومن المؤكد أنها ستواجه بردّ قد يكون عنيفاً. ولكن وبحق التجربة التاريخية في التعامل السياسي مع الطرف الآخر وهو إسرائيل( والمدعومة إلى حد ما بالبعد الغربي).

إن الصراع وبناء على هذه الفرضية لا تفرضه فقط رؤية حماس المتصلبة بوصف مجموع المحللين السياسيين، بل أيضاً يفرضه التصلب وسوء النوايا المعهودة التي يبديها الطرف الآخر من الصراع، ألا وهو إسرائيل، التي ترفض حتى الاعتراف بالفلسطينيين كشعب وتضرب بعرض الحائط كل الوقائع السياسية، والتاريخية بل وحتى الأعراف الدولية، في تعاطيها مع جوهر الصراع وعند طرح الحلول( إسرائيل لا تعترف بحق الفلسطينيين بالعودة أو القدس أو الدولة والسيادة حتى على أراضي 67 أو المتبقية منها).

إذن نحن نقف أمام احتمالين رئيسين للمرحلة المقبلة، تفرضهما الفرضية الثانية سالفة الذكر، ويمكن تلخيصها بالاتي:

إما أن تبدي كل من حماس وإسرائيل نوعاً من المرونة والتي لا شك أنها تستلزم القيام بخطوات واتخاذ قرارات مصيرية وجذرية؛ مما سيدفع الأوضاع نحو مرحلة جديدة حتى لو كانت تعتبر تكتيكية من وجهة نظر حماس، وأقل تلك الحلول تتمثل باعتراف إسرائيل بالشرعية الدولية والقبول بحل دولة فلسطينية على أرض 67( أي انسحاب إسرائيلي من الضفة والقطاع) وهو الحل الذي قد يخرج حماس محتفظة بماء الوجه أمام ما طرحته في برنامجها وأمام جمهورها بل وأمام الشعب العربي والإسلامي.

أما الاحتمال الثاني، فقد يشتمل على أجواء من التصادم السياسي، الذي عادة ما تلجأ فيه إسرائيل الى استخدام قوتها العسكرية الكبيرة كوسيلة من وسائل الضغط والحسم وفرض سياسة الأمر الواقع، خاصة وأنها تفرض سيطرتها كقوة محتلة مستخدمة سيطرتها الحالية والمسبقة على الواقع الفلسطيني بجميع جوانبه من معابر ومنافذ للأرض الفلسطينية وشرايين الحياة للضفة والقطاع؛ مما يمنحها القدرة على فرض حصار شامل على حركة الفلسطينيين.

لا بل قد يذهب الصراع ويستمر سيناريو العنف (من تصريحات الإسرائيليين الرسميين وغير الرسميين من التجربة والخبرة المسبقة بسياسة الدولة العبرية منذ تأسيسها ) قد يصل الأمر بإقدام إسرائيل على مغامرة عسكرية وسياسية كبيرة ومن منطلق ودافع بالحسم الجذري للأمور فقد تقدم على احتلال للأراضي التي انسحبت منها في غزة وأعادت الانتشار بها في الضفة الغربية ما قبل عام 1993 وحتى مناطق ما يسمى بمناطق (أ) حسب اتفاقيات أوسلو. أي إعادة احتلال جميع المدن الفلسطينية وإخضاع السكان الفلسطينيين بالكامل للحكم العسكري الإسرائيلي المباشر كما كانت عليه الأوضاع مند عام 1967, وهو عام احتلال إسرائيل للضفة وغزة وحتى بداية إعادة الانتشار المتفق عليها في أوسلو.

هذا أقصى ممكن لإسرائيل بتصادمها مع حماس بأن توصل إليه الأمور. ولكن قرار إسرائيلي كهذا لن يكون بالأمر اليسير واتخاذه قد يمنحه صفة القرار السياسي الصعب والذي قد يحتاج إلى رؤيا وتخطيط إسرائيلي استراتيجي مسبق يأخد بالحسبان كل عواقب وتكاليف مرحلة ما بعده.

فلا أحد يستطيع الجزم بمثل هكذا سيناريو ولأن السؤال الذي قد يطرح هنا بالنسبة لإسرائيل إن كانت مستعدة لتحمل مثل هدا القرار المصيري ودفع فاتورة احتلال الأراضي الفلسطينية. وبالتالي الالتزام بالقرارات والقوانين والشرائع الدولية فيما يخص معاملة السكان من قبل الدولة المحتلة وتلبية حاجاتهم الحياتية الأساسية. ومن جهة أخرى تحمل التبعية السياسية لاحتلال أراضي شعب آخر. قد يكون من الصعب على أي حكومة إسرائيلية تصور ذلك, وبالتالي يبقي مثل هكذا سيناريو من المواجهة صعب التصور وخاصة إذا ما أخذت إسرائيل بعين الاعتبار المكاسب أو الخسارة للطرف الأخر من المواجهة وهو حكومة حماس وسلطتها والشعب الفلسطيني ومجتمع ليس بنفس تلك الحيثيات ولا المكونات ولا الإمكانات ولا حتى المفاهيم التي كانت تشكله ما قبل عام 1993.

حماس وحسب القارئ لبرنامجها ولعملية تطورها عبر المراحل المختلفة حتى نضوجها كحركة مقاومة ذات طابع ديني بالإضافة لحركات المقاومة الوطنية الأخرى قد تكون هي الرابح أو بمعنى أخر قد تصل إلى إنجازات ومكاسب أكثر من خسارتها مع احتمال أن يكون العكس أيضا صحيحا هذا ما قد يكون أخذته قيادة حماس بالحسبان. فنحن لا نستطيع أن نتنبأ بالكثير.لكن ما يمكن أن نتوقعه أن إسرائيل ستواجه مقاومة فلسطينية بتكلفة أكبر من التي كانت في سابق عهودها في الداخل الفلسطيني. فليس من السهل الثبات في الأرض بعد الاحتلال ولن تكون الحركة بحرية وأمان لعربات الاحتلال في شوارع غزة والضفة إلى فترة طويلة من الزمن وفي تجربة احتلال بيروت عبرة وتجربة كهذه أقل ما يمكن توقعه وحجم المجتمع الفلسطيني وقدر الثقافة الوطنية لديه ليست كسابق عهودها.

إذا فإن التكهنات بما هو قادم قد يترك لما ستأتي به الأيام القادمة وقد يكون السيناريو الذي ذكرناه سابقا هو سيناريو أسوأ الاحتمالات التي قد تتردد في ذهن أي مراقب ومحلل للصراع الفلسطيني من جذوره ومن حيثيات تطوراته في المرحلة المقبلة.